كانت زيارة برنار كوشنر، وزير الخارجية الفرنسي، إلى بغداد قبل عدة أيام هي الأولى من نوعها التي يقوم بها مسؤول فرنسي كبير إلى العراق منذ الحرب الأميركية-الانجليزية في ربيع عام 2003. وكان آخر وزير خارجية فرنسي قد زار العراق هو رولان دوما في عهد الرئيس الراحل فرانسوا ميتيران.
بالطبع من حق فرنسا، بل من واجبها، أن يكون لها سياسة عربية فهذا يساهم إلى حد كبير في تقوية موقعها على المسرح السياسي الدولي. وكان الجنرال شارل ديغول قد أكّد صراحة وتكرارا أهمية العالم العربي في الحسابات الإستراتيجية والدبلوماسية الفرنسية، بفعل التاريخ والجغرافيا. ووجد مثل ذلك التوجه صداه في سياسات رؤساء الجمهورية الخامسة بعده.
والرئيس نيكولا ساركوزي كان واضحا بدوره عندما قال في اجتماع لمجلس الوزراء قبل أيام: ينبغي أن تكون فرنسا متواجدة في العراق، ومتواجدة في مختلف بلدان العالم العربي وأن تمتلك مثل هذه السياسة الخارجية ذات الإشعاع الدولي.
وإذا كان الرئيس ساركوزي قد وضع مفهوم «القطيعة»عنوانا عاما لنهجه خلال فترته الرئاسية، فإن مثل هذه «قطيعة»تحتاج إلى نقاش طويل قبل الشروع بها على صعيد السياسة الخارجية. ذلك أن أية سياسة خارجية هي بحاجة قبل أي شيء للاستمرارية والثبات لاسيما إذا كانت قد أثبتت فاعليتها. فلا أحد يبدّل أحصنة السباق إذا كانت رابحة.
ومهما قيل اليوم عن فترة حكم «أسد العجوز»جاك شيراك، فإن سياسته الخارجية -ربما باستثناء السياسة الأوروبية- اتسمت بالانسجام والمصداقية. بل وأعطت لفرنسا مكانة خاصة بين الأمم عندما تزعمت «جبهة الرفض»حيال الحرب الأميركية ـ الانجليزية في العراق. وكان الفرنسيون بأغلبيتهم العظمى قد التفّوا حول ذلك الموقف «الشجاع» آنذاك.
وكان له أيضا نتائجه «الإيجابية» على صورة فرنسا واكتسابها مكانة كبيرة «استثنائية»لدى الشارع العربي عامة، بل ولدى أصحاب القرار ممن عبّروا، أو لم يعبروا، عن رأيهم. الملفت للانتباه هو أن الفرنسيين لا يزالون يعارضون بأغلبيتهم أيضا، حسب استطلاع للرأي نشرته «صحيفة يوم الأحد» -جورنال دو ديمانش- قبل أيام، تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة. 26 بالمائة فقط من الذين جرى استجوابهم أعلنوا عن تأييدهم لتمتين الأواصر الفرنسية- الأميركية.
لكن من الواضح للعيان أن الدبلوماسية الفرنسية استعادت الكثير من نشاطها و«حركتها» في عهد الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي وأثبتت حضورها في العديد من الملفات والتي لم يكن أقلّها الوصول إلى تبنّي «اتفاقية دستورية أوروبية مبسّطة» من قبل قادة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أثناء قمة بروكسل في نهاية شهر يونيو- الماضي، أو التوصل إلى الإفراج عن الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني بعد سنوات من السجن.
لا يمكن لأحد أن يعترض على دبلوماسية تريد أن تدافع عن مصالح بلادها. ولفرنسا مصالح في العراق وفي العالم العربي. كان ذلك مضمون ما علّق به أحد المسؤولين الكبار في وزارة الخارجية الفرنسية على زيارة الوزير الدكتور كوشنر لبغداد. ثم أضاف: «بقي تحديد الفترة المناسبة من أجل عمل ذلك» هنا بالتحديد يكمن «مربط الفرس» بالنسبة للزيارة، ذلك أنها تأتي مباشرة بعد لقاء الرئيسين الأميركي جورج دبليو بوش والفرنسي نيكولا ساركوزي في أميركا حيث كان يقضي الأخير عطلته الصيفية.
هذا التوقيت جعل الزيارة تبدو للكثيرين وكأنها محاولة من أجل «نجدة» الرئيس بوش الذي «يحاصره» أكثر فأكثر فشل مغامرته العراقية. الأصوات في أميركا تتعالى وتتعاظم قوتها للمطالبة بالانسحاب. والحليف الانجليزي «المخلص» يحضّر خطط سحب قواته المتواجدة أساسا في جنوب العراق. وحكومة نوري المالكي «تهزل وتضمر» بعد أن غادرها 17 وزيرا والحديث يتكرر عن ضرورة استقالة من قبل الكثيرين. ومن المدهش أن يكون أحد هؤلاء هو وزير الخارجية نفسه أثناء مقابلة أجرتها معه مجلة «نيوزويك» بعد أسبوع من زيارته لبغداد ،مما أثار جدلا ولغطا وطلب اعتذارا رسميا عراقيا .
المهم لا يختلف اثنان على أهمية تأكيد الوزير الفرنسي في بغداد على ضرورة التصدي للعنف بمشاركة جميع القوى والفصائل. العنف الذي حصد حتى الآن حياة عشرات بل مئات الآلاف من الضحايا المدنيين و«الرافد» اليومي لهذه الحصيلة لا ينقطع بل ويزداد «غزارة» للأسف في سياق صدامات أهلية - قبلية- طائفية- مافيوزية مرعبة، وللأسف أيضا، دون نهاية قريبة تلوح في الأفق.
لقد أكّد الوزير الفرنسي في بغداد على «حضور أميركي لا بد منه» وعلى ضرورة تفعيل دور الأمم المتحدة من أجل الوصول إلى حل دبلوماسي فـ «الحل العسكري مستحيل». ولم ينس أن يتحدث أيضا عن برنامج لاحق لإعادة تعمير العراق.
القول بالحضور الأميركي «الذي لا بد منه» في العراق لم يترافق هذه المرة مع الموقف الدبلوماسي الفرنسي منذ حرب ربيع 2003 والمتمثل في المطالبة بتحديد «جدول زمني» للانسحاب الأميركي، وغير الأميركي، خلال فترة قد تطول أو تقصر. المهم هو فتح أفق نهاية حالة «الاحتلال» مما قد يشكل شرطا مسبقا ضروريا لتحقيق الأمن. جدولة الانسحاب وليس مطالبة الحكومة - أي حكومة- بتحديد جدول زمني لتحقيق الأمن. فمثل هذا المنطق يمشي «على رأسه».
وتعزيز دور الأمم المتحدة كان دائما مطلبا فرنسيا مشروعا ويلقى تأييدا عالميا كبيرا قبل شن الحرب على العراق وبعدها. والإدارة الأميركية هي نفسها قد «همّشت» بل «تجاهلت» المنظمة الدولية ومجلس أمنها. فهل يمكن لفرنسا اليوم أن تضمن انصياع إدارة الرئيس بوش لما قد ينجم عن «الدور المعزز» للأمم المتحدة من قرارات؟
والعراق بلد غني ويمتلك أحد أكبر الثروات النفطية في العالم. ويكفي أن يجلو عنه جنود الاحتلال وجنود «الظلام» ويستتب فيه الأمن ويستعيد سيادته وحق التصرف بثرواته كي ينفّذ بسهولة ويسر برامج إعادة تعميره.
نعم لفرنسا مكانة خاصة في العالم العربي. ونعم ينبغي لدبلوماسيتها أن تنشط، وإنما على أساس منطق مستقل ورؤية شاملة للأمن والسلام في منطقة الشرق الأوسط ككل. فالحواجز الأمنية التي تمزّق بغداد، كما أشار الدكتور كوشنر «متألّما»، هي امتداد ونتيجة «مباشرة» لتلك المقامة في فلسطين. وكل موقف «متحيّز» مآله الشلل.
ولعلّ هذه هي اللحظة المناسبة لتقوم الدبلوماسية الفرنسية «النشيطة»، وربما انها الوحيدة القادرة اليوم على لعب مثل هذا الدور، بمحاولة بلورة رؤية، وربما صياغة مشروع يمكن أن يلقى تعبئة دولية حوله لمعالجة المشاكل الجوهرية في منطقة الشرق الأوسط انطلاقا من فلسطين والعراق ومرورا بلبنان ضمن منظور واحد.
مثل هذا التوجه ليس معاديا لأميركا بل إنه يمشي في نفس منحى نهج أميركي عبّر عنه وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر في تقريره الشهير قبل أشهر والذي يؤكد فيه أن بوابة الخروج من الحالة العراقية المتردية تتمثل في العمل على حل المشاكل الإقليمية كلها في إطار منظور شامل.
العلاقات الفرنسية-الأميركية تستعيد زخمها بعد وصول الرئيس نيكولا ساركوزي إلى رأس السلطة في فرنسا. وإذا كان «الامتحان العراقي» قد أظهر ذلك فإن «الامتحان الأكبر» قد يكون قادما على الطريق ويخص تحديدا الملف النووي الإيراني. وهذا حديث آخر.
كاتب سوري