مكتب محاسبة الحكومة الأميركية، وضع النقاط على الحروف، وهو يكشف عما يجري في العراق. فالتقرير الذي نشره يشير إلى ان العراق لم يبلغ إلا ثلاثة أهداف من 18 هدفاً أمنياً وسياسياً حددها له الكونغرس الأميركي على صعيد إحراز تقدم في المجالين العسكري والسياسي. وتضمن، كما كشفت صحيفة الواشنطن بوست، تقييماً سلبياً للجهود الأميركية من أجل إرساء الأمن في بغداد.
ويقول ان الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي أطلقها الرئيس الأميركي جورج بوش في يناير الماضي وتم بموجبها تعزيز عدد القوات الأميركية في العراق، لم تعط نتائج ايجابية واضحة. كما ان العراقيل السياسية في العراق قضت على جهود إعادة الإعمار ولم تسمح بوضع القوانين اللازمة، ولم يتم التصويت على قوانين أساسية. وبالطبع، كما قال التقرير، لا يزال العنف مرتفعاً. فالاعتداءات على المدنيين مستمرة بالوتيرة نفسها، والقوى الأمنية العراقية لم تتقدم على صعيد اكتساب الكفاءات.
هذا هو الواقع المرير الذي يعيشه العراق الجريح. ويبدو أن الوضع في المستقبل القريب سيظل غامضاً، بل ان الأميركيين ليس في جعبتهم ما سيزيح عن العراق كابوس الفوضى والانفلات الأمني والعنف الدامي المتواصل.
فوزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري، أكد ان التقرير المرتقب الذي سيقدمه قائد القوات الأميركية في العراق ديفيد بترايوس والسفير الأميركي في بغداد ريان كروكر 11 سبتمبر الجاري، لا يقدم «حلولاً سحرية لأزمة العراق.. للمشكلات والتحديات للأزمة العراقية أو حتى إجابات فورية للمشكلات التي نمر بها».
ان الاستراتيجية الجديدة لبوش في العراق، ستخضع لاختبار قاس هذا الشهر الذي وصفه الناطق باسم البيت الأبيض توني سنو بأنه شهر أو «موسم التقارير»، حيث سيناقش الكونغرس تقييماً للوضع في العراق من خلال تقرير بترايوس وكروكر. ومن المتوقع ان يرسم هذا التقرير السياسة المستقبلية للرئيس بوش في العراق.
ان الدعوات داخل أروقة الكونغرس، تتصاعد مطالبة ببدء انسحاب القوات الأميركية من العراق، والرئيس جورج بوش كان على موعد أمس مع عدد من قادة الجيش الأميركي، بهدف تقييم الأوضاع المتدهورة في العراق منذ أكثر من أربع سنوات.
وفي الوقت نفسه، العراق ينزف يومياً، ولا تجف حمامات الدم على أرضه في ظل أشكال من العنف جعلت كل أسرة عراقية لا تعرف الأمن والأمان على أبنائها، بل وصار خلاصها الوحيد هو النزوح إلى خارج الديار. مأساة العراق، قد تتفاقم إلى الأسوأ إذا لم تتخذ قرارات وإجراءات تراعي مصلحة هذا البلد العربي الكبير وتحافظ على وحدة أراضيه. والأمل مازال معقوداً في المقام الأول على ضرورة تحقيق مصالحة وطنية شاملة وجادة تزيح عن أرض الرافدين شبح الفتن الطائفية التي تهدد كيان العراق.
لقد اتخذ التيار الصدري خطوة ايجابية بتجميد أنشطة ميليشيات جيش المهدي، وبالفعل اختفت تلك الميليشيات من شوارع مدينة الصدر. ويبقى أن تختفي باقي الميليشيات من مدن العراق بدافع الحفاظ على تماسك العراق وتحقيق مصالحة ووحدة وطنية متماسكة بين أبنائه.
ما يؤلمنا أن نرى العراق غارقاً في فوضى أمنية، ولا تضمد جراحه. والمؤسف أن تلك الجراح لم تعد قاصرة على أوضاعه الأمنية، بل امتدت إلى أحواله الصحية. فمن المفجع أن ينتشر وباء الكوليرا في شمال البلاد ويحصد أرواح ثمانية أشخاص، وبالتأكيد يرجع ذلك إلى سوء المرافق العامة، وبالتحديد تلوث مياه الشرب وتدهور نظام الصرف الصحي.
وكان تقرير أعدته جمعية اوكسفام البريطانية الخيرية بالاشتراك مع لجنة التنسيق العراقية غير الحكومية قد حذر من ان 70 في المئة من سكان العراق لا تتوفر لهم مياه شرب نظيفة، بينما لا تتوفر لعشرين في المئة منهم خدمات صرف صحي. هكذا ساءت الأوضاع في العراق، والعامل الأول لسوئها هو العجز عن تحقيق الأمن، الذي ان توافر لمضت مسيرة التعمير وإعادة البناء إلى الأمام.
