لم يكن مشهد استشهاد الأطفال الفلسطينيين الثلاثة من عائلة واحدة برصاص جنود الاحتلال الإسرائيلي، رغم قسوته ووحشيته، مشهدا غريبا. فقد اعتادت الشعوب العربية على رؤية الدم الفلسطيني يسفك ويستباح بدم بارد دون أن يتحرك الضمير العالمي لإنهاء هذه المأساة المستمرة منذ حوالي ستين سنة.
فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وإعلان قيام الكيان الصهيوني كعضو غريب وسط الجسد العربي، ومنطقة الشرق الأوسط بكاملها تعاني من أزمات متتالية، بعد أن ارتهن مستقبل شعوبها بإيجاد حل للصراع الإسرائيلي-العربي وعانت من ويلات حروب عديدة استنزفت دماء أبنائها وثروات وخيرات بلادهم وحرمتهم من الإحساس بالأمن والاستقرار بسبب استمرار شبح الحرب التي يمكن أن تتفجر في أي لحظة.
ومما زاد من معاناة شعوب هذه المنطقة ابتلاء بعض دولها بقيادات استغلت الورقة الفلسطينية لتحكم قبضتها على مقدرات البلاد ورقاب العباد، وسعت إلى تحقيق طموحات شخصية بدلا من السعي الحقيقي لإيجاد مخرج فعلي لأزمة يدفع الشعب العربي عموما ثمن استمرارها، ويحمل الشعب الفلسطيني بشكل خاص أعباء المعاناة اليومية سواء كان يرزح تحت نير الاحتلال أو يعيش في بلاد الله الواسعة دون هوية حقيقية تشعره بالانتماء.
ومنذ قيام الكيان الصهيوني حتى الآن، تتحمل بريطانيا والولايات المتحدة ودول أخرى عديدة مسؤولية استمرار المعاناة الفلسطينية، وحان الوقت لتتدخل هذه الدول للمساهمة بوضع حد لهذه المعاناة وإنهاء سنوات التيه الفلسطيني لعلها بذلك تصحح جزءا من الخطأ الأكبر الذي ارتكبته عندما ساهمت في تأسيس هذا الكيان على أرض كان شعبها يعيش في أمن وسلام لدرجة أن الدعاية الصهيونية أوهمت الرأي العام العالمي بأن اليهود شعب بلا دولة ولذلك فإنهم أقاموا إسرائيل على أرض بلا شعب، وأنه لا يوجد متضررون من هذه المسألة سوى "أعداء السامية" الذين يشوهون صورة اليهود في كل مكان.
لقد آن الأوان لتنتهي الكذبة الكبيرة التي قامت عليها إسرائيل، وعلى دول العالم، والولايات المتحدة بشكل خاص، أن تضغط على حليفتها المدللة لتنهي المماطلة والتسويف وعقد اللقاءات وإعطاء الوعود المبهمة في الوقت الذي يستمر فيه القتل والدمار على أرض الواقع.
هناك حق واضح لعبت المبادرة العربية الأخيرة دورا بارزا في نقله عبر بنودها التي حددت المطالب العربية العادلة لتحقيق السلام الشامل والدائم في المنطقة، وليس على الولايات المتحدة، إذا كانت جادة في مسعاها لحل الصراع بصورة عادلة، إلا أن تضع إسرائيل أمام مسؤولياتها في الاستجابة للمبادرة العربية التي تشكل الحد الأدنى الذي يمكن للعرب أن يقبلوا به للمساهمة في حل الصراع.
