في غضون أيام قليلة ـ بعد 41 عاما من أحداث وقعت في شهر نوفمبر بعد العهد به ـ سيحصل رجل أشيب، متقاعد، يدعى بروس كراندال على أعلى وسام تمنحه أميركا تقديرا للبسالة، وهو وسام الشرف، من الرئيس جورج دبليو بوش.
وقد كان كراندال على الدوام بطلا بالنسبة لرجال الكتيبة الأولى من الفرقة السابعة من الفرسان الأميركيين، الذين اعتمدوا عليه وعلى مساعده إد فريدمان عندما كانت العاقبة تسوء في منطقة اجتثت أشجارها وتجتاحها النيران عرفت باسم منطقة الإنزال «إكس راب» في وادي لادراغ البعيد في مرتفعات وسط فيتنام.
كان الجرحى الأميركيون يتكدسون والشيء الوحيد الذي يمنع 2000 من الجنود الفيتناميين الشماليين الذين لا ينقصهم الإصرار من اجتياح وذبح تشكيل الفرسان المحاصر الذي يفوقه الفيتناميون عدداً هو القوة النارية وجسر جوي أقامه كراندال وطائراته الهيلوكبتر الست عشرة من طراز هيوي التابعة للفصيلة 229 في كتيبة هيلوكبتر هجومية.
غالبا ما كان قائد الفرقة السابقة فرسان آنذاك لفنتانت كولونيل هال مور يتحدث عبر اللاسلكي وكذلك يهتف في العراء موجها دفق الطائرات التي تجلب الذخيرة التي تمس الحاجة إليها بشدة والتي تنقل الجرحى بعيداً. كان الرجل الذي يحدثه ويعتمد عليه هو الميجور ـ آنذاك ـ كراندال، الذي كانت إشارة الاتصال اللاسلكي به هي «إينسنت سربنت 8» ، الأمر الذي فتح المجال لإعطاء كراندال اسم التدليل «الثعبان».
عندما كان القتال في أكثر مراحله احتداما، في أصيل 4 نوفمبر 1965، اضطر مور إلى إغلاق منطقة الإنزال التي تعادل مساحتها ملعبا لكرة القدم في وجه طائرات الهيلوكبتر، اثنتان من هذه الطائرات أصيبتا إصابات بالغة بحيث لم تستطع التحليق والابتعاد عن المنطقة. وقد اخترق الرصاص بدن طائرة كراندال وأصيب كبير ملاحيه في رقبته وقتل مشغل اللاسلكي قبل أن يستطيع فك الحزام الذي ثبته في مقعده بالطائرة.
كان الثعبان العجوز يعرف أن زملاءه في خطر داهم وطلب متطوعا للانضمام إليه في نقل المزيد من الذخيرة والماء إليهم. ولم يتردد صديقه الكابتن ـ آنذاك ـ إد فريدمان في مشاركته المخاطرة. حلق كراندال وفريدمان إلى قلب الجحيم مباشرة مرارا وتكرارا، جالسين وراء حاجز السيلكسجلاس الهش ومطلين على فوضى القتال التلاحمي الناشب، بينما كان أفراد طاقم ينزلون صناديق رصاص البنادق إم ـ 16 وذخائر المدافع إم ـ 60 وطلقات الهاون وصناديق القنابل اليدوية، وبالسرعة ذاتها ينقلون الجرحى الذين كان أملهم الوحيد في البقاء على قيد الحياة هو تلك الرحلة بالهيلوكبتر إلى المستشفى الميداني في كامب هولوواي في بليكو.
في يوم الأحد ذاك من نوفمبر قام كراندال بانجاز 22 مهمة في غضون 14 ساعة، ونقل إلى بر الأمان وفرصة الحياة 70 جنديا جريحا. كتب هال مور، وهو الآن جنرال متقاعد ذو ثلاث نجمات، في توصيته بمنح كراندال وسام الشرف يقول: «لو أن الجسر الجوي مني بالفشل فمن المؤكد أن رجال الكتيبة الأولى من الفرقة السابقة فرسان المنخرطين في المعركة كانوا سيلقون حتفهم بالطريقة نفسها التي قتل بها فرسان جورج أرمسترونج كاستر في معركة ليتل بيج هورن، حيث يحاصرون ويمزقون شر ممزق من قبل قوات تفوقهم عددا، ويجري اكتساحهم وذبحهم حتى آخر رجل فيهم.
وأضاف: «لقد طلبت من رجال أطقم كراندال الشجعان إبداء أقصى درجة من الإخلاص وتقديم خدمة تتجاوز بكثير الحدود القصوى للواجب والمهام المطلوبة منهم، وقد نفذوا ما طلبته على نحو ما كنت أعرف أنهم سيقومون به».
وفي آخر رحلة جوية قام بها كراندال في ذلك اليوم حمل راكبا جلس على صندوق قنابل يدوية، في مؤخرة طائرة الهيلوكبتر، هو كاتب هذه السطور الذي كان يومها في الرابعة والعشرين من العمر ويعمل مراسلا حربيا لوكالة أسوشيتدبرس. وفي 16 نوفمبر وبعد وقت بدا كأنه دهور، عاد لينقلني خارجين من منطقة الإنزال «إكس راي»، وقد أحببت الرجل كثيرا منذ ذلك اليوم.
أهدى الرئيس بوش وسام الشرف إلى إد فريدمان بعيد توليه منصبه في 2001. أما كراندل فإن المعاملات الورقية وعملية الاختيار أخرت تكريمه حتى الآن. ربطت صداقة وثيقة بين كراندال وفريدمان على امتداد ما يزيد عن نصف قرن من الزمان، وناقشا بلا انتهاء ما هي «أفضل طائرة هيلوكبتر في العالم», وكل منهما يشير إلى الآخر على أنه «ثاني أفضل طيار هيلوكبتر في العالم».
وقد أدى دور كراندال النجم جريج كينر في الفيلم الذي تم انتاجه في عام 2002 بعنوان «كنا جنوداً» والذي اقتبس من كتاب «كنا جنوداً في وقت من الأوقات وشبانا». الذي قمت به أنا وهال مور بتأليفه. وكراندل االآن في الثانية والسبعين من عمره، وهو يقيم مع زوجته أرلين في مانشستر في واشنطن، عندما لا يكونان قي رحلات برية يجوبان خلالها أرجاء أميركا بسيارتهما الكبيرة المخصصة لهذا الغرض. وهناك بيوت لقدامى محاربين الفرقة السابعة فرسان يتجاوز عددها مئتي بيت وكراندل موضع ترحيب فيها جميعا في أي وقت تتوقف سيارته أمام باب أي منها.
إننا نعتقد أن هذا هو وقت التكريم الذي تأخر بأكثر من مما ينبغي، ونجلس معا، ونصغي لحكايات «الثعبان» عن الأعمال الجريئة التي شهدتها تلك الأيام، وعن ذلك الوقت في جولة الواجب الثالثة عندما أسفرت غارة جوية أميركية عن نسف طائرته الهيلوكبتر من طراز هيوي، ورقد على ظهره متألما وهو يرى الأميركيين والفيت كونج يتسابقون ركضا في محاولة من الجانبين للوصول إليه أولا.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص ل: «البيان»