ضمن التوسع الهائل الذي صاحب انتشار الإنترنت في العالم العربي، وأدى إلى ظهور العديد من المواقع التي تعبر عن توجهات وأيديولوجيات منشئيها، ظهر العديد من مواقع المنظمات المعنية بحقوق الإنسان في العالم العربي. فالإنترنت أوجدت فضاءً جديداً لهذه المنظمات المعنية بحقوق الإنسان يمكنها من خلاله التعبير بحرية أوسع، وبدرجات أكبر من الانتشار.
كما قامت الكثير من المواقع العادية، أي غير المخصصة لقضايا حقوق الإنسان، بدور كبير أيضاً في تناول قضايا حقوق الإنسان، ضمن مواقعها، والتعرض للعديد من القضايا الساخنة المرتبطة بها. ففي العالم العربي، حيث قضايا حقوق الإنسان تمثل قاسماً مشتركاً بالنسبة لمعظم الممارسات السياسية والفكرية، يصعب على أى موقع على صفحات الإنترنت، أيا كانت توجهاته ومشاربه، أن يتجاهل تلك القضايا ولا يتعرض لها.
واللافت للنظر هنا أن معظم المواقع، رغم الاختلاف الواسع المدى فيما بينها في التوجهات الأيديولوجية، تشترك في الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان. فالمواقع الإسلامية تُفرد مساحات كبيرة للإنتهاكات العديد والمتكررة التي تمارسها الأنظمة العربية ضد الإسلاميين، كما أن المواقع الليبرالية تطارد انتهاكات الأنظمة العربية المختلفة، كما تطارد الإسلاميين أيضاً، كما أن اليساريين يصبون جام غضبهم على الجميع، أنظمة وحكومات وإسلاميين وليبراليين.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل تلك المواقع العديد التي ينشؤها أبناء الأقليات في العالم العربي مثل المسيحيين دفاعاً عن حقوقهم المختلفة، وفي بعض الحالات يشنون من خلالها هجوماً مباشراً وفجاً على الأغلبيات المهيمنة. لقد تحولت مواقع الإنترنت إلى ساحة جهاد جديدة يتناول من خلالها كل طرف قضايا حقوق الإنسان من وجهة نظره وبالكيفية التي يحقق من خلالها مصالحه الخاصة.
تمثل «البوابة العربية لحقوق الإنسان» ((hrria.org إحدى أهم المواقع الخاصة بحقوق الإنسان في العالم العربي، وذلك بسبب كونها تشمل معظم، إن لم يكن كل، المنظمات الخاصة بحقوق الإنسان في العالم العربي وتحيل إلى الروابط الخاصة بها. وتكشف الرسالة التي تتصدر الموقع عن الهدف العام للبوابة، كما هو الحال بالنسبة لمعظم المواقع الأخرى الخاصة حقوق الإنسان في العالم العربي.
تقول رسالة الافتتاح «تأمل الأطراف المساهمة في البوابة العربية لحقوق الإنسان إلى أن تشكل إسهاماتها المختلفة إضافة إلى الجهود المعنية بحالة حقوق الإنسان في المنطقة العربية، وأن تساعد على نشر وتفعيل الإهتمام بحقوق الإنسان في دول المنطقة».
وتشتمل البوابة على أربعة مواقع رئيسة أخرى خاصة بحقوق الإنسان، ثلاثة منها دولية وهي رابطة تعليم حقوق الإنسان (hrea.org)، والمعهد الدولي لقانون حقوق الإنسان بكلية الحقوق جامعة دي بول شيكاجو (hrria.org)، وأخيراً مكتبة حقوق الإنسان التابعة لجامعة مينيسوتا(hrria.org). أما الموقع العربي الوحيد بين هذه المواقع الأربعة فهو الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان (hrinfo.org).
تمثل الشبكة العربية لحقوق الإنسان واحدة من أهم المواقع ذات الصلة المباشرة بقضايا حقوق الإنسان في العالم العربي. وربما يكون هذا الموقع هو الجامع الرئيس والوحيد لكل منظمات حقوق الإنسان في العالم العربي، سواء تلك التي لها مواقع على الإنترنت، أو تلك التي لم تشيد بعد مواقع خاصة بها. وتعمل الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان.
(من أجل نشر وتداول أوسع لمفاهيم وقيم حقوق الإنسان بالعالم العربي، وهي مؤسسة قانونية مستقلة أنشئت طبقا للقوانين المصرية، وتتخذ من الدستور المصري والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية ، وخاصة التي وقعت عليها مصر مرجعية لها).
ورغم أن الشبكة تأسست في مصر، حيث يقع مكتبها في حي المعادي، في مدينة القاهرة، إلا أنها من خلال تأسيس موقعها على الإنترنت اتجهت توجها إقليميا يأمل في تجميع كافة المواقع العربية على موقع واحد يتيح نشراً وذيوعاً أوسع لمسائل وقضايا حقوق الإنسان في العالم العربي.
ويُلاحظ أن الهدف الرئيس من أجل إنشاء موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان هو نشر وذيوع ثقافة حقوق الإنسان في العالم العربي، وتجميع كل المواقع الخاصة بحقوق الإنسان على موقع واحد، وتفعيل استخدام اللغة العربية في مجالات حقوق الإنسان. كما يلاحظ اهتمام الموقع بالمعنى العام لحقوق الإنسان الذي لا يقتصر فقط على الحقوق المدنية والسياسية، لكنه يتعداها إلى المعنى العام لحقوق الإنسان الذي يشتمل على الحقوق الاقتصادية والثقافية والتنموية والبيئية.
كما تسعى الشبكة إلى زيادة المعلومات الخاصة بحقوق الإنسان، والعمل من أجل إشراك الجماهير والمتابعين في قضايا حقوق الإنسان والحملات على مستوى أوسع. كما أن أهم الجوانب التي تهدف إليها الشبكة هو خلق جمهور واع ومشارك في الحملات التي تطلقها الشبكة من أجل إطلاق سراح سجين سياسي، أو الحصول على الحقوق المقيدة لجماعة اجتماعية ما.
وبشكلٍ عام يمكن القول بأن الأهداف التي ذكرها موقع الشبكة العربية لحقوق الإنسان، تكاد تكون هي الأهداف نفسها التي حددتها معظم المواقع الأخرى الخاصة بحقوق الإنسان لنفسها. واللافت للنظر هنا أن الأهداف التي حددتها معظم منظمات ومؤسسات حقوق الإنسان لنفسها، قبل أن تنشأ مواقع لنفسها، تكاد تكون مماثلة للأهداف التي ذكرتها على الإنترنت. ولكن ما يختلف هنا هو ذكر هذه المواقع أهمية الإنترنت بوصفها وسيلة جديدة تساعد على انتشار المواضيع والقضايا المرتبطة بحقوق إلإنسان، وخلق توجه عام وشعبي حولها.
ويمكن القول هنا ان استخدام الإنترنت قد ساعد على سرعة تناول القضايا المختلفة الخاصة بحقوق الإنسان. ففي السابق كان لابد من تناول هذه القضايا عبر الصحف والمؤتمرات والنشرات وعن طريق الحصول على التوقيعات بخط اليد، أما الآن فبمجرد حدوث ما يشير إلى أية انتهاكات خاصة بحقوق الإنسان، فإنه يمكن عبر الإنترنت خلق حملة واسعة الانتشار، كما يمكن التنويه السريع لما حدث في وقت حدوث الانتهاك.
إن الإنترنت تمثل بالنسبة لقضايا حقوق الإنسان، المرآة الملازمة لأية انتهاكات، والتي تمكن من فضح هذه الانتهاكات والتشهير بها بشكل سريع وملازم. وهو الأمر الذي تنبهت له بعض الأنظمة العربية التي بدأت في مراقبة بعض المواقع، وإغلاق البعض الآخر، بل القبض على المسؤولين على هذه المواقع ومحاسبتهم. وربما يمكن القول بأن المعركة القادمة في السنوات المقبلة بين النظم العربية الحاكمة والمعارضة في العالم العربي، بما فيها منظمات المجتمع المدني، سوف تنتقل إلى ساحات الإنترنت.
وهو الأمر الذي ظهر جليا من خلال ترحيب وزراء الداخلية العرب في مؤتمرهم الذي عُقد في يناير 2006 بالاقتراح الذي تقدم به وزير الداخلية المصري بغلق مواقع الإنترنت التي تدعم الإرهاب أو تثير الكراهية، دون أن يقدم تعريفاً واضحاً ومحدداً لماهية الإرهاب. وهو الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه للسلطات في العالم العربي بغلق أى موقع لا يتناسب مع توجهات النظم العربية الحاكمة.
ويمكن القول بأن كل الدول العربية دون استثناء قد أصبحت تحوز على بعض منظمات حقوق الإنسان، سواء أكانت تحمل مسميات مباشرة خاصة بالدفاع عن حقوق الإنسان السياسية والمدنية، أو كانت تتخذ أسماء أخرى للدفاع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والدينية. وتنقسم هذه المنظمات والمؤسسات واللجان الحقوقية إلى عدة أقسام حسب الموضوع يأتي في صدارتها تلك التي تهتم بالحقوق السياسية والمدنية مثل حرية الرأي والتعبير والاعتقاد، والأمان الشخصي، والتجمع السلمي، وحرية التنقل والإقامة والسفر، والسجناء والمحتجزين، والحماية من التعذيب، والمحاكمة العادلة، والحق في الحياة.
إضافة إلى المنظمات والمؤسسات واللجان ذات الصلة بحقوق الفئات الخاصة مثل المرأة والطفل وذوي الاحتياجات الخاصة والأقليات. وأخيراً تأتي المنظمات والمؤسسات واللجان ذات الصلة المباشرة بحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين في العالم العربي.
وتغطي هذه المنظمات والمؤسسات واللجان خارطة العمل الحقوقي بدرجة كبيرة، بحيث يمكن القول بأنه لا يوجد مجال من مجالات حقوق الإنسان في العالم العربي لا تتناوله هذه المنظمات، ولا يتعامل معه النشطاء الحقوقيون. لكن الملاحظ هنا هو تفاوت ونوعية هذه المنظمات من بلد عربي لآخر، حسب طبيعة الممارسات السياسية، وحسب الدرجة من التقدم في مجالات حقوق الإنسان المختلفة، وحسب درجة التسامح من قبل النظم السياسية الحاكمة ذاتها تجاه عمل هذه المنظمات المعنية بحقوق الإنسان.
وتأتي مصر في صدراة الدول العربية من حيث عدد المنظمات والمؤسسات واللجان المختلفة المعنية بقضايا حقوق الإنسان على كافة أشكالها وألوانها المختلفة. فعلى موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان تم تسجيل ما عدده سبع وأربعين منظمة خاصة بحقوق الإنسان في مصر، وهو رقم يتجاوز بكثير ما أُنشأ في فلسطين، وهي التالية بعد مصر، حيث يبلغ عدد المنظمات المسجلة لها على الموقع خمس عشرة منظمة.
لا يمكن التقليل من شأن الإنترنت بالنسبة للمنظمات الحقوقية المحدودة الامكانيات سواء في الواقع الفعلي أو عبر الإنترنت. حيث يمكن لهذه المواقع أن تربط نفسها بمواقع أخرى أكثر قدرة وأكثر أهمية بما يوفر لها امكانية الإعلان عن نفسها من جانب، وإظهار أنشطتها المختلفة بما فيها إطلاق الأخبار والبيانات المختلفة. إضافة إلى ذلك، فإن التكلفة المعقولة لإنشاء مواقع عبر الإنترنت، تغري تلك المنظمات الحقوقية التي لا تحوز مواقع خاصة بها على سرعة البدء في إنشاء مواقع خاصة بها، تتحرر من خلالها من الارتباط بأي من المواقع الأخرى، بما يسمح لها بالعمل المستقل غير المرتبط بأية شروط أو ضوابط قد تمليها المواقع المضيفة.
كما أن الإنترنت ساعدت أيضاً على إبراز المعني العام والشامل لقضايا حقوق الإنسان من خلال ماقامت به بعض المنظمات الخاصة التي يقتصر عملها على جانب معين ومحدد من جوانب حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الجانبين الاجتماعي والاقتصادي. فبعض المنظمات تناولت الفئات الخاصة والحقوق المرتبطة بها، مثل حقوق المرأة والأطفال والمعاقين والفلاحين والفقراء. ومما لا شك فيه أن إبراز أوضاع هذه الفئات الخاصة يكشف عن مدى الحيز الذي تشمله قضايا حقوق الإنسان، كما يكشف عن حقيقة الواقع الذي تواجهه هذه الفئات الخاصة.
لا يمكن التقليل من أهمية الارتباط بين الإنترنت ومنظمات حقوق الإنسان، فكما كشفت الإنترنت عن إمكانيات هائلة بالنسبة للاطلاع والقراءة والبحث العلمي والصحافة وانتشار المعلومات، فإنها قدد كشفت أيضاً عن إمكانيات هائلة بالنسبة لتفعيل واقع منظمات حقوق الإنسان، والأدوار الفاعلة التي يمكن أن تقوم بها، إعلامياً وإخبارياً وتنشيطياً.
كاتب مصري