من شاهد ما نقلته شاشات التلفزة عن الانتخابات الرئاسية التركية وسمع خطاب عبدالله غول رئيس تركيا بمناسبة انتخابه، انتابته حالة من القلق والتوتر نقلتها إليه أجواء هذه الانتخابات المفصلية في تاريخ تركيا الحديث، حتى أن مظاهر الوجوم والفتور كانت بادية على الفائزين على نقيض مظاهر الفرح والبهجة التي كان يفترض أن تشع بها وجوههم في مناسبة كتلك.

فقد غاب رئيس الجمهورية السابق، أحمد نجدت سيزار والذي يعتبر من اشد المدافعين عن العلمانية عن جلسة أداء اليمين الدستورية، وفي ما وراء الصورة أيضا الثقل الوازن للجيش التركي الذي رفضت قيادته حضور الجلسة وحذرت للمرة الثانية قبل يوم واحد من جلسة انتخاب غول من محاولات تقويض العلمانية، بل المثير كان بيان رئاسة هيئة الأركان الذي أشار إلى مخططات خبيثة ضد التحديث والعلمانية والديمقراطية.

في تحد واضح للمؤسسة العسكرية والقوى العلمانية، أصبح غول مرشح حزب العدالة والتنمية ذو الميول الإسلامية رئيسا للجمهورية، متخطيا جميع العصي التي وضعت في طريقه. في الواقع، كانت نتائج الانتخابات محسومة لصالحه منذ البداية لكن المعارضة عرقلتها والمحكمة الدستورية ألغتها وأطلقت المؤسسة العسكرية إنذارا للبرلمان بضرورة احترام الدستور العلماني كما سيرت القوى العلمانية مظاهرات حاشدة في نفس السياق في اسطنبول وأنقرة، وباتت البلاد في خضم أزمة دستورية كبيرة.

ومع التطور الدراماتيكي للأحداث طالب حزب العدالة والتنمية الذي يسيطر على البرلمان بانتخابات رئاسية مباشرة من الشعب، وتم تحديد انتخابات عامة كانت نتائجها حصول حزب العدالة والتنمية على 47% من أصوات الناخبين مما شكل تفويضا شعبيا واسعا له، ومع انتصار حزب العدالة والتنمية أعيد ترشيح غول وبعد ثلاث دورات تم انتخابه رئيسا للبلاد.

كان عام 2007 بدون شك عاصفا بالمواجهة بين العلمانيين المدعومين من المؤسسة العسكرية وحزب العدالة والتنمية الذي ما فتئ يزداد بريقه في الحياة السياسية التركية منذ انتخابات عام 2002، قيل حينها إن نجاح الحزب لم يكن يتعلق بتدينه بل بفساد خصومه. ومع وصول الحزب إلى الحكومة شهد الاقتصاد التركي تحسنا سريعا متخطيا الأزمة الاقتصادية لعام 2001، وازدادت الاستثمارات بشكل كبير.

اليوم يسيطر هذا الحزب على منصبي الرئاسة ورئاسة الحكومة بالإضافة إلى سيطرته على مجلس النواب، وبالرغم من كل التطمينات التي صدرت عن غول على مدى الفترة الأخيرة وفي خطاب القسم، هناك شعور لدى العلمانيين والمؤسسة العسكرية بأنه يجري سحب البساط من تحتهم، وليست هذه المخاوف بعيدة عن الحقيقة وهناك من يعلق أهمية كبيرة على انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي في سبيل كف وصاية الجيش عن الدولة وهو الذي ساهم بإسقاط 4 حكومات منذ عام 1960. والاتحاد الأوروبي موضع إجماع في تركيا، وكانت البلاد قد شهدت إصلاحات عدة في سياق كسب ثقة أوروبا.

لن يتراجع الجيش بسهولة أمام هذه التحولات وهو سيبقي حزب العدالة والتنمية تحت الضغوطات. ويجري حاليا تسعير مشاعر قومية متطرفة تدعي أن حزب أردوغان يتلقى دعما من الولايات المتحدة كنموذج معتدل لباقي الدول الإسلامية، علما أن ربع أعضاء الحزب رفضوا السماح للولايات المتحدة بفتح الأراضي التركية أثناء غزو العراق في 2003. لكن هذه الفكرة غير بعيدة عن الحقيقية على الأقل بالنسبة للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي أدلى بتصريح لافت أيد فيه دخول تركيا الاتحاد الأوروبي قبل يوم من الانتخابات في تحول لافت بات اقرب للأميركي على هذا الصعيد.

خلال الأزمة وصف أردوغان تركيا بأنها كالطائرة التي توشك على الإقلاع وهناك من فسر الأمر على أنه ينبئ بتغييرات كبيرة خصوصا وان تغيير الدستور هو احد الوعود الانتخابية لحزب العدالة والتنمية. فهل سيقوم الحزب بتحويل المجتمع والأهم بإجراء تعديلات دستورية؟ هناك من يقول إن الحزب في السلطة منذ 2002 ولم يقم بأي محاولة لمواجهة العلمانيين، لكن الآن مع وجود غول في الرئاسة ودعوته إلى علمانية تصون حرية المعتقد والدين، فهل نحن أمام تحول نحو نموذج يصفه البعض بالعلماني الانكلوساكسوني؟

وهل ستمضي البلاد في قانون انتخاب الرئيس بتصويت مباشر من الشعب، وانتخابات من هذا النوع سوف تزيد صلاحيات الرئيس وتعطيه شرعية ومشروعية أوسع. حالة تركيا قد تكون فريدة، فالمجتمع يطالب بالتحرر من وصاية الجيش، لكن ماذا لو أن الانتخابات المباشرة رفعت شخصية تتمتع بشعبية واسعة من المؤسسة العسكرية إلى سدة الحكم عندها يصبح الخوف على الديمقراطية على أشده.