لقد تطورت الدول المتقدمة باعتمادها على معرفة القوانين العلمية، الرياضية والفيزيائية والكيميائية والطبيعية...، اكتشافا وفهما. وبالتالي تطبيقا في الحياة اليومية. ومن ثم بناء الحياة المدنية الحضارية المعاصرة. فلولا فهم قانون تمدد الأجسام، لما أمكن تمديد ملايين الكيلو مترات من الخطوط الحديدية السطحية أو تحت أرضية أو تحت مائية التي تنقل مئات الملايين من الناس يومياً عبر العالم. أو حفر الأنفاق.

ولولا معرفة قانون أمبير لما استمتعت الإنسانية بنعم الكهرباء التي لا تعد، والمقطوعة عن قطاع غزة. التي مازالت مغروسة في قعر وحدتها، وقد ألصقت وجهها بزجاج نافذتها الحارة. منتظرة مجيء أحد إليها. فالمرض ينسل من عروقها المرهقة. روح قطاع غزة تئن تحت أسياج الظلام، في أزقة ضيقة. والشهور سلخت كل آثار قرابته. حتى الشمس من خلال نافذة القطاع، تراها مجعدة في أشعتها. وقد تكدست فوق ظلاله الباهتة في برك النور المتجمدة.

ظل عروس روسية، ينتزع غزة، من وحدة الزمن. يتراءى الظل، تقترب منه. ووهج حنانها يلفحه «قطاع غزة» وذراعاها تسكبان الدفء، استطاعت أن تغني له كل أغاني الطيور، وأن تلملم غربة روحه في غزته المقطوعة. لأنه حرم من كل شيء. لكن،عوضته عن كل حنان الأرض والأهل. المرأة الروسية ما زالت الكائن الأكثر رهافة وإحساسا، وجسدت دائما رمز الحنان والعطف.

كم تسللت منتظرة دخوله، إلى الشبكة العنكبوتية ومقابلته الافتراضية. أحبته وهماً نائيا. وجذبتها طيبة الشعب . تفيض الخواطر المؤلمة والفرحة من جوارحها. تمزق صمتها في أمسية هاربة من دوائر الزمن. لكن، رغم الحصار الخانق على قطاع غزة. استطاعت فتاة روسية الوصول إلى خطيبها، من فلسطينيي قطاع غزة عبر أحد الأنفاق. التي كان مقاتلو حركة «حماس» يستخدمونها لتهريب الأسلحة. «حسب صحيفة روسية».

وبعد شهور من المقابلات الافتراضية، قررا الزواج. وطارت العروسة الروسية إلى القاهرة. حيث كان في استقبالها، من ينقل البضائع إلى الأنفاق تحت الأرض عبر سيناء. وأصبحت الفتاة في أحضان العريس. بعد أن قطعت مسافة، نصف كيلومتر داخل نفق قطره 80 سنتيمترا.

كان النفق مدهشاً بالنسبة لها. وكانت تطير مثل فراشة، بين ضحكات مطر الأرض. تتراكض الخطوات. تبتعد بصعوبة تفتح عينيها. تنهض بتثاقل من غيبوبتها. الحب والعشق هو المسموح الوحيد الذي يحظى بالإجماع في دول العالم. بمختلف أنظمتها وحكمها. ما من عاشق فيها، أوقف بسبب الحب. ولا زج به في السجن. ولا استوقفه رجل مخابرات، فالحب مسموح في كل زمان ومكان. للمراهقين والشباب والبالغين والكبار. أغلقت العروس عينيها، واستسلمت لنسيم دغدغ أجفانها. وهدهد سرق قلبها، ليطير منتشيا مع طيور غزة.

استفاقت الشمس من نومها، وغسلت وجهها بندى الفجر، وأخذت من زرقة السماء الروسية، طعام إفطارها. كان شراب من نسيم زنبقي. وعبير ورد تسلل إلى الشمس العطشى للرحيق. أما بحر غزة في ذلك اليوم، فكان مترقرقاً، قد صحا من نومه هو أيضاً. وتناول من يدي الشمس باقة من الضوء والماء. الرمل أيضاً كان مبللاً ببوح البحر، نزعت العروس حذاءها. وقد أغرتها هذه اللوحات الجميلة بالجلوس قليلاً بين جوانح الموج. إن الحياة في غزة، هي أكثر من مدهشة. والعروس تستعد للمواجهة مادامت الحياة تنبض هناك. من يحب، يمكن له أن يضحي ويحتمل كل شيء في سبيل أن، يلتقي حبيبه كل صباح. ولو للحظة واحدة حتى لو كانت حلماً.

لقد كان الحب هو الذي فجر في أعماق العروسة تلك اللحظات السحرية ، الحب الذي تتألق الحياة به وتعلن عن مقدار حيويتها بقدر ما فيها من أناس يحبون، والأرض الطيبة لن تكون أكثر من كوكب مظلم خال من الحياة إذا فقدت المحبين. لأن العشاق، حتى ولو كان افتراضيا.. هم القناديل المعلقة في قلب العتمة السوداء في غزة. و من اجلهم تقدم الأرض ربيعاً، بكل ما فيه من ألوان الزهور. ومن أجلهم تصدح عصافير العالم ، والأرض تبتسم وتخضر على قدر ما عليها من عرائس جميلة. اللوحة مازالت خضراء في غزة، وعلى الرسام في «رام الله » التوقف لصنع الأبعاد ومسح المسافات.