كان من عادة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إبان توليه مهمات تفاوضية في مرحلة ياسر عرفات القول انه ليس مهما الاتفاق مع الإسرائيليين حول هذا الموضوع أو ذاك طالما أنها اتفاقات مؤقتة، لكن المهم هو التمسك بالثوابت في مفاوضات الوضع النهائي. الرئيس الفلسطيني ظل متمسكا بموقفه هذا حتى الآن فهو يصر على مناقشة قضايا الوضع النهائي دون الدخول في تفاصيل مرحلية جديدة واتفاقات مؤقتة.

وكان أبو مازن عندما اضطر إلى الاستقالة من رئاسة أول حكومة فلسطينية ارجع ذلك إلى الحملة التي شنها ارييل شارون ضده وامتناعه عن انجاز أي اتفاقات أو تفاهمات مع حكومته لأن عباس نجح في إقناع الإدارة الأميركية في حينه بضرورة القفز عن مراحل خارطة الطريق والدخول في مفاوضات الحل النهائي مباشرة دون انتظار جداول زمنية ودون ما يسمى بدولة مؤقتة. ولأن المجتمع الإسرائيلي غير ناضج لتسوية يتم فيها تقديم تنازلات على الأرض للفلسطينيين.

فيما يعتقد الجانب الفلسطيني أن التوصل إلى تسوية يدعم السلطة ويسهل عودة غزة إلى سيطرة السلطة. النظرة الإسرائيلية والغربية ككل للتسوية تختلف عن النظرة الفلسطينية فهم يريدون العمل على مستويين، الأول سياسي تفاوضي، والثاني اقتصادي أي إعداد البنية التحتية الاقتصادية والأمنية للدولة المقترحة، ويتولاه رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، ولأن هذا يتطلب مشاريع اقتصادية واستثمارات وتدريبات فإن الحل السياسي يجب أن يسير بموازاته كأي مشروع آخر ولذا يجب تأخير البت في قضايا شائكة.

ولعل القادة الإسرائيليين يسارهم مثل حزب العمل ووسطهم مثل ايهود اولمرت وحزب كاديما متفقون على ذلك، فباراك زعيم العمل يريد الاستعداد عسكريا لمواجهة أية تهديدات مستقبلية فلسطينية كإيجاد حل عسكري صاروخي لمسألة الصواريخ الفلسطينية محلية الصنع،وهذا حسب رأيه يستغرق ما بين 3 ـ 5 سنوات. أما اولمرت فإنه يريد كسب الوقت لتأكيد نفسه وحزبه في أية انتخابات مقبلة لأنه حزب مهدد بالاندثار ولذلك يبحث عن انجاز سياسي يرفعه ويطيل حياة حزبه، وهذا الانجاز ليس في تسوية نهائية بل في تسوية مؤقتة تحيل القضايا النهائية إلى ما بعد.

لكن القادة الإسرائيليين والأميركيين يدركون أن الرئيس الفلسطيني لن يقبل بالمماطلة ولن يقبل بالمؤقت، ولهذا بدأوا يفكرون في ابتداع خطط إقناعه تريحهم سياسيا وتدخل أبو مازن نفق المؤقت كاقتراح تسليمه بعض الأحياء العربية في القدس فيما يبقى مصير القدس موضع تفاوض مستقبلاً، وفتح ممر آمن بين غزة والضفة تحت سيطرة السلطة مع سيادة إسرائيلية عليه، وبناء مدينة جديدة على حافة غور الأردن تكون أنموذجاً لمدن أخرى تقام لاستيعاب اللاجئين الراغبين في العودة إلى منطقة الدولة الفلسطينية المقترحة.

عمليا يريد الإسرائيليون إعطاء «عربون» أو رؤوس أقلام اغرائية للرئيس الفلسطيني في إطار اتفاق مبادئ يجرى طبخه حاليا في المطبخ الإسرائيلي الأميركي المشترك وحتى الآن ما زال أبو مازن يعارض اتفاق مبادئ جديد لكن معارضته لها حدود، وفي ظل وضعه الداخلي الضعيف وفي ظل حاجته إلى انجاز سياسي يتيح استئناف العمل التفاوضي فهو عمليا لا يستطيع الاستمرار في الحكم في الوضع الحالي بلا مجلس تشريعي وبلا غزة ويحاول جاهدا إعادة أربعة من قادة فتح من الخارج هم أبو ماهر غنيم وأبو المعتصم ومحمد جهاد وفاروق القدومي لكنه فشل حتى الآن.

ففي لقائه الأخير مع أبو ماهر غنيم في عمان لم يتمكن من إقناعه بالعودة لكنه ترك المجال مفتوحا. فالرئيس الفلسطيني الذي أبدى رغبته في عدم الترشح للرئاسة ثانية يحاول إعادة قادة فتح وترك الكرة في ملعبهم، وهذا عمليا يتوقف على ما سيتم انجازه في إطار اتفاق المبادئ المقترح فإن تمكن أبو مازن من تحقيق انجاز سياسي مقنع فإنه قد يستعد لرئاسة ثانية وفي غياب قادة آخرين قادرين على خلافته وإلا فإنه سينسحب من الحياة السياسية بهدوء.

الحياة الجديدة ـ فلسطين