سؤال طرح مراراً وتكراراً طوال الأزمة اللبنانية. لكنه اليوم يطرح نفسه بإلحاح وبخشية، أكثر من أي وقت مضى. ذلك أن ما تشهده ساحته هذه الأيام هو غير مسبوق، بنوعيته وتوقيته وبملامسته للكثير من الخطوط الحمر والأعصاب النخاعية. وبالتالي هو غير مسبوق بخطورته. فلم يحصل من قبل أن بلغ التأزيم والخطاب ما بلغه في الآونة الأخيرة. تجاوز حدوداً كانت كافة أطراف الأزمة تتهيبها. ودخل إلى مجالات، كان الاعتقاد بأن حرمتها لن تنتهك .
التهديدات لسفراء عرب غريبة. كانت جدّية إلى حدّ أن منهم من اضطر إلى مغادرة العاصمة اللبنانية. وليس من دون دلالة أن يكون المهددون من أصحاب الأدوار المعروفة بالتوازن والتي على مسافة وصلة واحدة بكافة المعنيين اللبنانيين. وكأن بذلك يراد إزاحة الوسطاء العاملين على مساعدة لبنان واللبنانيين، للخروج من المحنة.
ثم تمادى التردي في الأجواء عندما اقتحم الخطاب دائرة الممنوعات وراح يتحدث بلغة «التقسيم» كخيار مطروح، إذا ما رست الأمور على معادلة معينة. وزاد الطين بلة أن العاصمة اللبنانية تجتاحها موجة من الشائعات والسيناريوهات التي تتناول خططاً ومشاريع تقضي «باحتلال السرايا الحكومية ومباني الوزارات والمؤسسات الرسمية».
خاصة تلك التي تجاور مبنى المجلس النيابي، في محاولة «لمنع النواب» من دخول هذا الأخير، في اليوم الذي تتحدد فيه جلسة انتخاب رئيس جمهورية جديد للبنان. هذا فضلاً عن الكلام حول الإعداد «لانقلاب عسكري»، للإطاحة بالاستحقاق الرئاسي. هذا غيض من فيض الشائعات الرائجة، والمتداول قد يكون كل ذلك أو بعضه، مجرد بخار ساخن منبعث من غليان المياه اللبنانية، التي ارتفعت النار تحتها، مع اقتراب الموعد الرئاسي وقد يكون من باب حرب الأعصاب، لا غير.
الانسداد في الأزمة وصعوبة التراجع عن المواقف، من هنا وهناك، قد يؤديان إلى رواج لغة التهويل. لكنها لغة بالحدود التي بلغتها، باتت تنطوي على مجازفة كبيرة. فثمة قضايا تدخل؛ بحكم حساسيتها، باب المحرمات؛ لأنها لا تحتمل أن تتحول إلى ورقة أو بديل، فهي بطبيعتها خيار شمشوني.
الخشية أن يكون الوضع اللبناني قد بدأ يزحف حثيثاً نحو تخوم اللامعقول. وربما انحرافه بهذا الاتجاه شجع الآخرين على التمادي في استباحته وبصورة غير معقولة. منظمة هيومن رايتس وواتش ذهبت إلى حدود الإعلان عن عزمها لعقد مؤتمر صحافي في بيروت تعتزم الإعلان فيه عن إدانتها لحزب الله على قصفه للمدنيين في إسرائيل في حرب صيف العام الماضي. وكأن إسرائيل يومذاك اكتفت برشق اللبنانيين ومدنهم وقراهم وبناهم التحتية بالورود!
اندفاع الخطاب في لبنان باتجاه كسر المحظورات وبصورة غير مسبوقة لا يصب في خدمة أي توجه ولا بالتأكيد في خدمة البلد. اللحظة شديدة الحساسية وذات طابع مصيري. والمصلحة الوطنية تقضي بعدم المس بالثوابت لئلا ينهار الهيكل على من فيه.
