كل الإمبراطوريات العظمى بدأت ببناء نفسها ثم اتجهت للتوسع على العالم الخارجي، وقد كانت بريطانيا الأذكى والأكثر هيمنة على عالم فاق حجم جزرها آلاف المرات، ولعل نجاحها لا يُعزى فقط لقوتها العسكرية أو المادية، وإنما لقدرتها على إدارة تلك المستعمرات بكفاءات نادرة حيث لا تفترق مؤهلات مخطط وصانع القرار عن الآخرين الذين يحكمون بلداناً صغيرة، أو يديرون مؤسسات الطرق أو السكك الحديدية، أو بلداناً هائلة مثل الصين والهند ودول العالم الجديد..
أمريكا إمبراطورية عظمى اعتمدت على تأهيلها الداخلي عندما انفجرت كأكبر قوة اقتصادية ثم عسكرية بدءاً من إطلالتها على العالم في الحرب الكونية الأولى، لكن نجاحها العسكري في الحربين ثم إعادة بناء أوروبا في مشروع "مارشال" وسيطرتها على القوتين الحربيتين اليابان وألمانيا جعلها تنفرد بالمعسكر الغربي، وتكون المثال المطلوب في ديموقراطيتها وتقدمها التقني في المعسكر الشرقي، والذي ساعد على نهاية غير سعيدة للاتحاد السوفياتي..
وبسبب تحقيق هذه النتائج الهائلة، جاء من يروّج داخل الكونغرس والبيت الأبيض وبعض الفلاسفة الجدد، أن أمريكا وحدها في العالم من يستطيع ملء الفراغ السياسي والاقتصادي، وإعادة هيكلة النظم والدول، والاتجاه بالحضارة البشرية ضمن القاطرة الأمريكية، وهنا جاء مبدأ فرض الهيمنة بالقوة، وكانت الضحية أفغانستان والعراق، وفي الأخيرة جاء التصرف الأمريكي أكثر تطرفاً مدفوعاً بهاجس العقيدة الجديدة بأن أمريكا هي الدولة الأولى التي لها حق التصرف بدون العودة إلى أي منظومة دولية، أو حتى الحلفاء الغربيين..
نجحت أمريكا في احتلال العراق والتشفي من أوروبا التي رفضت هذه السياسة، ولم تقبل أي نصيحة أو تقويم لسلوكها، ومن داخل العراق بدأت اللعبة الخطرة، حلّت الجيش وقوى الأمن وتحالفت مع الشيعة ضد السنة الذين رفضوا الإذعان وأعلنوا المقاومة، وتحالفوا مع البعث وفلول نظام صدام.
وجلبوا القاعدة، لكنها شعرت أن الشيعة هم أكثر ذكاء في تحالفهم مع إيران وهنا جاء الدور الإيراني أكثر قوة في الجنوب، حتى بريطانيا التي احتلته وأدارته بعقليتها التقليدية للاستعمار القديم فوجئت بأنها عدو لم يكتسب ثقة المواطنين ولا القيادات هناك، مما اضطر أمريكا لأن تعلن الحرب على الشيعة أسوة بالسنة، وهنا فقدت وزنها.
أي أنها في داخل العراق كله بدون حلفاء، وحتى الأكراد يشعرون أنهم احتياطي سياسي قابل للتغيير لأن تركيا لا ترغب بأي تطور يجعل للأكراد دولة في الشمال دون سلطة مركزية عراقية، وأن أمريكا من المستحيل أن تقايض الأكراد بحجم دولة استراتيجية مهمة مثل تركيا..
على النطاق الدولي دفعت السياسة الأمريكية إلى شبه انعزال بينها وبين أوروبا، وحفزت روسيا التي شعرت بانتشار الصواريخ على حدودها على إعادة بناء ترسانتها العسكرية من خلال فوائض النفط والغاز، وفي آسيا نهض العملاقان الهند والصين، وبقي العالم ينظر بعداء إلى كل السياسات الأمريكية وهو تطور جعلها بلا أصدقاء، ولا حلفاء لهم رغبة بالانقياد إلى مغامراتها التي أدت إلى هزات اجتماعية واقتصادية..
