حينما يستقر في دساتير الدول الديمقراطية أن الشعب هو السيد وأن الأمة هي مصدر السلطات، يصبح صوت عموم الشعب هو الفاعل الرئيسي فوق كل السلطات والأحزاب والأفراد.

حيث تكون السلطة التشريعية، هي السلطة الممثلة للشعب من خلال نوابه في التشريع للقوانين والرقابة على أداء السلطة التنفيذية ممثلة في الحكومة التي تستمد مشروعيتها من ثقة الشعب، والتي يكون أشرف أدوارها وأولى مسؤولياتها أن تحكم له لا أن تتحكم فيه، وخدمة هذا الشعب وليس السيادة عليه.

وحينما يتقدم الشعور بالولاء الوطني الأكبر على الولاء الحزبي الأصغر، ويشعر النائب في البرلمان أنه نائب عن عموم الشعب وليس عن الحزب الذي ينتمي له، ويدرك أن مسؤوليته هي عن عموم الشعب وليس عن دائرته الانتخابية بحيث يكون الوطن كله والشعب كله بكل تياراته وسلطاته وقطاعاته وطوائفه ومناطقه هو الدائرة الانتخابية الكبرى لجميع النواب على اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم السياسية سواء من حزب الحكومة أو من الأحزاب المعارضة، وتكون الممارسة الديمقراطية سليمة ويكون الأداء البرلماني شعبيا ووطنيا لا حزبياً ولا مناطقياً أو طائفيا.

وعلى العكس من ذلك يكون فساد الممارسة الديمقراطية وسوء الأداء البرلماني، حينما يتحول نواب الحزب الحاكم الذي يملك الأغلبية إلى نواب عن الحزب وليس عن الشعب، وإلى التغطية لا إلى الرقابة على الحكومة وعلى أداء بعض وزرائها، وإلى التأييد الأوتوماتيكي لكل مشروعاتها وسياساتها على أساس الالتزام الحزبي بتأييد حكومة الحزب ضد المعارضة..

كما تفسد الممارسة الديمقراطية ويسوء الأداء البرلماني في المقابل حين تتحول المعارضة إلى اعتراض أوتوماتيكي دائم، وإلى تضخيم أخطائها أو طمس إنجازاتها بقصد إسقاطها، وانتقاد سياساتها لا مجرد نقدها، وكما أن الفارق كبير بين المعارضة والاعتراض، فالفارق كبير أيضا بين النقد والانتقاد، والمعارضة الرشيدة .

كما هي الأغلبية الرشيدة واجبها اتخاذ المواقف برؤية موضوعية مجردة دعما لكل ما هو مصلحة شعبية وضرورة وطنية حتى ولو كانت على حساب المصلحة الحزبية أو المكاسب الانتخابية، تأييدا للحكومة أو وقوفا مع المعارضة، ويكون اشتراك نواب من حزب الحكومة ومن أحزاب المعارضة في تأييد أو رفض سياسة أو ساسة أحد الأدلة على سلامة الممارسة البرلمانية ورسوخ التقاليد الديمقراطية.

القاعدة الأساسية لأي حياة شورية أو ديمقراطية سليمة هي تفعيل المشاركة والعدالة والشفافية والمحاسبة والتداول، وتأكيد المبادئ الإدارية المستقرة كمحددات للعلاقة بين السلطات والمسؤوليات والتي تترجمها معادلة ذهبية تقول لا مسؤولية بلا سلطة ولا سلطة بلا مسؤولية.

ومن هنا استقرت السلطات الثلاث في المجتمعات لأداء المسؤوليات العامة وليس لجني المكتسبات الخاصة، فقد نصت دساتير الدول الديمقراطية على مبدأ «الفصل بين السلطات» التشريعية والتنفيذية والقضائية، لكن مبدأ الفصل دون ضمانات التوازن بين هذه السلطات لا يكفي لوضع الأساس القوى لضمان أن تستطيع السلطة التشريعية مثلا محاسبة السلطة التنفيذية على أداء مسؤولياتها، وأن تستطيع الحكومات أن يكون لها من السلطات ما يمكنها من تنفيذ المسؤوليات الملقاة عليها.

غياب التوازن بين السلطات حتى مع بقاء مبدأ الفصل هو أحد الأسباب الرئيسية لغياب الحياة الديمقراطية السليمة بغياب تمكين السلطة التشريعية مثلا من الرقابة على السلطة التنفيذية ومحاسبتها باسم الشعب لصالح الشعب لا لصالح الحزب، أي حزب. وغياب هذا التوازن هو ما يتيح للسلطة التنفيذية أن تسيطر على الممارسة البرلمانية أو أن تقلص دور السلطة القضائية.

ولكن في ظل سلطات متكافئة القوة منفصلة عن بعضها متصلة في إعلاء إرادة الشعب وتوفير متطلبات تنمية الوطن لصالح كل مواطن يمكن أن تتوفر متطلبات الحياة الديمقراطية وإمكانيات الممارسة البرلمانية كما يجب أن تكون تحت مظلة دستور بشرط أن يكون متوازنا ومعبرا عن تطلعات الشعب، وسيادة للقانون بشرط أن يكون عادلاً. وهذا ما يقتضي الإنصاف القول بأنه يحدث بدرجة كبيرة في العالم الغربي ونأمل أن يحدث بدرجة صغيرة في عالمنا العربي بشرط أن تحقق هذه الديمقراطية الأماني الشعبية العربية لا الغربية.