عقدت في الأسبوع الماضي في مدينة أصيلة المغربية ندوة علمية حول النخبة المثقفة والفكر السلفي في المنطقة العربية. وقد ضمت الندوة ساسة وصناع قرار وأكاديميين وباحثين وبعض المنضوين في مجال الحركة الإسلامية في المنطقة العربية. وقد اتسمت نقاشات الندوة بالجدية وعمق المعالجة.

ورغم أن الندوة ذهبت في جزء منها لمعالجة قضايا بدايات نشأة الحركة السلفية أو على الأقل ما سمي بالحركة السلفية الأولى على يد الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي ورشيد رضا.

إلا أن الجزء الأكبر منها قد اتجه نحو مناقشة حاضر الحركة السلفية في المنطقة العربية من حيث مفاصلها الفكرية وقدراتها التعبوية في الشارع السني في العالم الإسلامي وذلك من خلال مجموعة من الوسائط التقليدية والحديثة وتحديداً توظيفها لتقنية الاتصالات الحديثة في مجال عملها التنظيمي والتعبوي والذي سنشير إليه لاحقا في هذا المقال. وقد وقفت الندوة أمام مفاصل مهمة في هذه الحركة يمكن تحديد بعضها في النقاط التالية:

أولا: لا يمكن بأي شكل من الأشكال عقد مقاربات منهجية من حيث الخطاب والممارسة والعلاقة بالآخر بين الحركة السلفية المعاصرة وما سمي بالحركة السلفية التقليدية التي كان من أقطابها الأفغاني وتلامذته والحركة السلفية المعاصرة، من حيث أمور وقضايا عديدة تبدأ بالنص وتطويعه للعصر وتمر بمسألة القدرة على التكيف مع مقتضيات العصر وتحولاته والعلاقة بالغرب والولايات المتحدة الأميركية وتنتهي بتوظيفها للعنف في تحقيق أهدافها السياسية.

ثانيا: تبدو المفارقة البارزة في أنه في الوقت الذي صدرت دول الشمال العربية: مصر والشام فكر وتعاليم حركة الإخوان المسلمين لبقية العالم الإسلامي صدرت الجزيرة العربية الفكر السلفي في صيغته المعاصرة لبقية العالم الإسلامي.

ثالثا: لا يمكن إنكار حقيقة أنه على الرغم من التحولات الفكرية التي أصابت حركة الإخوان المسلمين وتحديدا تخليهم على الأقل المعلن عن توظيف العنف في الوصول للسلطة إلا أن تبقى لحركة الإخوان المسلمين آثارها على كل الحركات الإسلامية الأخرى في العالم الإسلامي. فالمعروف أن الكوادر الإخوانية الأولى في الستينات والسبعينات من القرن الماضي والهاربة من الملاحقات البوليسية المصرية قد شكلت في بعضها خطابا وممارسة الحركة السلفية وتبريراتها الفقهية بما يشمل ذلك توظيفهم الكبير للعنف في مواجهة الدولة والآخر المختلف دينياً وسياسياً.

رابعا: تمثل التجربة الأفغانية منعطفاً مهماً في التشكل السياسي والتنظيمي للحركة السلفية في عالم اليوم، وهي تجربة التي شُكلت في سياقاتها الأطروحات الفكرية السلفية الجديدة وكذلك موقفها من الآخر.

فما يسمى بالأفغان العرب قد شكلوا خلال العقدي ونيف الماضيين حالة مهمة في الحياة السياسية والأمنية العربية منذ انتهاء الحرب الأفغانية في ثمانينات القرن الماضي حتى الآن. وهي تجربة لا يبدو أن الدولة العربية والتيارات السياسية العربية مدركة بشكل كبير لمصاحباتها الفكرية والسياسية بعيدا عن الانطباعية والسطحية. وهي تجربة كشفت عن تحولات مهمة في فكر وبالتالي مواقف الحركة السلفية: من طاعة ولي الأمر إلى الانقلاب عليه ومن التحاف مع الدولة إلى الارتداد عليها ومن تحول الغرب وأميركا من حلفاء منهم تأتي المساندة إلى أعداء عليهم تُستجمع المساندة.

خامسا: إذا كانت أفغانستان ذات البعد الجغرافي، لها هذا التأثير المدوي في المنطقة العربية على يد الحركة السلفية، فإن الحالة العراقية الملتهبة والتي تتهم فيها الحركة السلفية الجهادية والتكفيرية بكونها وراء بعض أو كل أعمال العنف والعمليات الإرهابية التي تحدث في العراق حاليا، والتي تأتي على الأنفس والأرواح والأملاك، فإنها دون شك سيكون لها وقع سياسي وأمني غير عادي على المنطقة العربية وتحديدا دول الجوار على المدى القريب والمتوسط.

وسينعكس ذلك على فكر وممارسات فرق وجماعات داخل الحركة الإسلامية بشكل عام في هذه المجتمعات. بل إن هذه المنطقة مقبلة على شكل آخر من الأفغان العرب وهو أقرب إلى حالة ما قد يسمى «بالسلفية العراقية» مقابل ما عرفناه سابقا من «سلفية أفغانية» قوامها مواطني هذه الدول الذين يزج بهم تحت مظلة فتاوى عديدة للقيام بعمليات انتحارية عديدة في العراق، وما حالة المسجد الأحمر في الباكستان ونهر البارد في لبنان إلا البداية لنهاية غير مُدركة.

سادسا: دفعت الحركة الإسلامية وتحديدا تلك الجماعات المتشددة منها نحو مزيد من حالات المحافظة، وبدت المنطقة العربية تشهد محاولات لإعادة إحياء طرق وممارسات قديمة لا تتسق مع العصر وتدفع نحو ما يسميه البعض بالرغبة في إعادة إحياء دولة الخلافة أو إقامة الإمارة الإسلامية والتي تأتي بالتقسيط أحيانا، كما شهدتها أفغانستان والعراق وأخيرا ما أسماه البعض بإمارة غزة الإسلامية..

سابعا: إذا كانت حرب تحرير الكويت تمثل أحد المفاصل الفارقة في تحولات الحركة السلفية ونقطة مهمة في انشقاقاتها التنظيمية سواء أكان ذلك داخل الحركة السلفية ذاتها أو في خلافها المعلن مع حركة الإخوان المسلمين التي من رحمها خرجت الحركة السلفية المعاصرة.

لذا فإننا مقدمون كذلك على تحولات أخرى جديدة قد يمثل الاحتلال الأميركي للعراق وتعثر التجربة السياسية فيها أحد معطيات إن لم تكن متغيرات هذا التغير الجديد فيها. بل إننا مقبلون لحالة يكون فيها العراق أحد أهم المصادر الجديدة المقبلة في تصدير الإرهاب للمنطقة.

ثامنا: مثل العالم بالنسبة للحركة السلفية فضاء مهما في عمل الحركة السياسي والفكري وهي إحدى الحركات الإسلامية القليلة التي تجاوزت في عملها التنظيمي كل الحواجز الطبقية واللغوية والدينية، بل أنها الحركة الإسلامية الوحيدة التي تجمع في أطرها التنظيمية بين الأفغاني والاندونيسي والأردني والعراقي والبريطاني والفرنسي والأميركي والكويتي والمصري والجزائري والسعودي.. وغيرهم الكثير.

تاسعا: لقد استطاعت الحركة أن تطور من عملها التنظيمي وتطرح أشكال جديدة من العمل التنظيمي لا يأخذ بالهرمية التنظيمية والفكرية التقليدية السائدة في كل الأحزاب والتنظيمات السياسية المعروفة العلنية منها والسرية. وهو شكل من العمل الحركي غير المتصل أو المترابط تنظيميا وهذا يفسر قدرتها على «تفريخ» الجديد من الخلايا.

عاشرا: إن الحركة السلفية على الرغم من معاداتها للعولمة وقواها المؤثرة إلا أنها أكثر الحركات السياسية في العالم الإسلامي والعربي توظيفا لوسائط العولمة. ويعكس عالم الانترنت أحد أهم الفضاءات التي من خلالها تتشكل خلاياها وتتواصل وكذا تتم عمليات التأطير التنظيمي والانتشار الفكري لها. فالكثير من العمليات الانتحارية وعمليات الخطف والقتل يتم الإعلان عنها أو التعريف بها عن طريق الانترنت.

الحادي عشر: وقفت الندوة ملياً أمام حقيقة أن الحركة السلفية تضم فصائل وجماعات مختلفة ومتباينة وهم في ذلك لا يمكن أن يوضعوا في سلة واحدة، من حيث الفكر والممارسة وكذا من حيث العلاقة بالآخر. إلا أن تسيد ما يسمى بالسلفية التكفيرية والأخرى الجهادية على الساحة السياسية في المواقع العربية الساخنة قد دفع نحو هذا التماهي فيما بينها وعدم التمييز. فالحركة السلفية تضم جماعات وتيارات أخرى أكثر اعتدالا من تلك السائدة على السطح وفي وسائل الإعلام.

ومن ذلك بل وعلى الرغم من ذلك فإن الحركة السلفية، لا يمكن وضعها كلها في سلة واحدة، فهي في داخلها تتضمن فصائل وجماعات مختلفة بل أحيانا متناقضة ومتناحرة فيما بينها. وهي كما الحركات الجديدة الداخلة في العمل السياسي، تحتاج للكثير من السنين حتى تتجه في أطروحاتها نحو قدر أكبر من الاعتدال السياسي، وتجاوز النصية المفرطة التي باتت تباعدها عن الآخر بل تجعل من بعضها عدوا لكل العالم الذي هم جزء منه.

كاتب بحريني