انتخاب عبدالله غول رئيساً لتركيا، يشكل تطوراً بمستوى الحدث التاريخي في عمر الجمهورية منذ تأسيسها؛ في عشرينات القرن الماضي. شخصية سياسية ذات خلفية إسلامية تتربع الآن ولأول مرة، على رأس هرم النظام العلماني، الذي أقامه مصطفى كمال عام 1923.
ومنذ ذلك الحين وهذا الموقع محجوز لتلامذة المؤسس والملتزمين بخطه والقائم على الفصل الصارم بين الدين والدولة. بعد 84 سنة ينكسر هذا الحجز بسلاسة ووفق الأصول والآليات الدستورية؛ بالرغم من العلاقة المتوترة، من زمان، بين القوى غير الأتاتوركية وبالتحديد الإسلامية، وبين الجيش؛ الموكول إليه حماية العلمانية ونظامها. وكان هذا الأخير قد سبق له وأطاح بعدة حكومات، عن طريق الانقلاب العسكري؛ على أرضية أنها تشكل خطراً على الإرث «الكمالي».
لم يكن العسكر مرحباً بقدوم عبدالله غول. قاطع رئيس أركان الجيش وقادته مراسم حلف اليمين، للرئيس الجديد؛ بعد فوزه بالرئاسة. بل إنه أصدر بياناً، عشية انتخاب غول، تفوح منه رائحة النفور من مجيء مرشح حزب «العدالة والتنمية» إلى سدّة الرئاسة. بل يعبّر عن غيظ العسكر من هذا الانتقال، «الخارج» على القاعدة فضلاً عن انه ـ البيان ـ طافح بالتوجس والارتياب؛ ناهيك بالتحذير والتهديد المبطّن. لكنه موقف بقي في حدود الكلام. لا انقلاب ولا رفض؛ هذه المرة.
مضت العملية بسلام. على الأقل حتى الآن. وليس من المتوقع أن تكون العلاقة بين الرئاسة والجيش، سمناً وعسلاً. مع ذلك فانه ليس هذا هو المهم، في اللحظة التركية الراهنة. المهم كان في أن العملية أخذت مجراها الطبيعي. والأهم أنها لم تكن لتحصل بهذه الصورة لو لم يدرك كل طرف مدى مسؤوليته وواجبه؛ بعيداً عن الاستفزاز والتحدي.
الرئيس الجديد سارع، قبل وبعد انتخابه، إلى التأكيد على التزامه باللعبة الديمقراطية وبالنظام العلماني. والجيش أدرك. على ما يبدو، ان الظروف لم تعد تسمح بتكرار لعبة الانقلابات؛ فاكتفى بالتعبير عن تبرمه من مجيء سياسي بغير خلفية أتاتوركية، إلى الموقع الأول في الدولة وعملياً تقبّل النتيجة.
بهذه التخريجة طلعت تركيا الرابح الأول والأكبر. لا هزات ولا خضّات استحقاق ومضى على خير. انه درس برسم منطقتنا. وبالذات برسم البؤر الملتهبة فيها والتي يعود أحد أهم أسباب التهابها إلى نزاعات قواها السياسية وعدم قدرتها على صياغة الحلول والمخارج التي تكفل وقف النزف وبناء العملية السياسية المناسبة وإقامة مؤسساتها وآلياتها التي تضمن انسياب وانتظام ماكينة الحكم.
علّها تتأمل في هذه النقلة التركية لتطلع من معادلات المحاصصة وحالات الشلل المستبدة بساحاتها، نتيجة للتمزق السائد بسبب رفض التنوع والاختلاف والاحتكام إلى قانون الواقع وآلياته الناظمة للعلاقات ولعملية الحكم.
