بدأت جامعة الدول العربية قبل أيام قليلة الإعداد لاجتماع وزراء الخارجية العرب في 5 سبتمبر المقبل، للبحث في إطار عمل عربي لمؤتمر السلام الدولي في الشرق الأوسط، والذي دعا إليه الرئيس الأميركي جورج بوش.

كما عقد مجلس الجامعة علي مستوى المندوبين الدائمين اجتماعاً لإعداد جدول أعمال دورة المجلس الوزاري العادية الـ 128، والذي يتضمن 30 بنداً، تتناول مختلف قضايا العمل العربي المشترك السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية وفي مقدمها تقرير لجنة متابعة تنفيذ القرارات الصادرة عن القمة العربية في الرياض.

إن مؤتمر السلام الذي يجري الحديث عن عقده في الخريف القادم في الولايات المتحدة يجب أن لا يستثني أي طرف عربي لا سيما إذا كان هذا الطرف مؤثراً وفاعلاً مباشراً في القضايا التي ستبحث في المؤتمر، وهي القضية الفلسطينية والصراع العربي - الإسرائيلي، لأن الأوضاع والتطورات في العالم العربي لا سيما في هذه المرحلة تحتاج إلى رؤية مشتركة وبرنامج عمل عربي متفق عليه من قبل الجميع لمواجهة جميع الأخطار التي تحدق بهذا الجزء المهم من العالم.

وهنا لا بد من التذكير والقول بوضوح ان سياسة الإدارة الأميركية الحالية التي عرفها العالم العربي طوال السنوات الماضية والتي تتصف بالغطرسة والتطرف من جهة وبالتخبط والفشل من جهة أخرى تتجه بالفعل إلى عزل هذا الطرف العربي أو ذاك لأسباب لا يمكن تبريرها على أساس منطقي أو عقلاني ولكن على يجب تفسيرها على أساس المصالح الخاصة بالمشروع الصهيو-أميركي في منطقة الشرق الأوسط.

فعلى سبيل المثال وليس الحصر يتم الحديث من قبل بعض الأوساط الأميركية عن عدم دعوة سوريا للمؤتمر الدولي بحجة أنها تلعب دوراً أساسياً في تأزيم الأوضاع السياسية والأمنية في العراق، وأنها تلعب دوراً مخرباً في لبنان وتتدخل في شأنه الداخلي السياسي والأمني. وعليه فإن الإدارة الأميركية تعلن دائماً سياستها ورغبتها المستمرة منذ مدة طويلة والرامية لعزل سوريا سياسياً عن المجتمع الدولي ، كجزء من استراتجيتها ومشروعها في الشرق الأوسط «الجديد».

ولا يخفى على أحد على أية حال أن الإدارة الأميركية حققت بعض النجاح في عزل سوريا عن محيطها الإقليمي والدولي بحكم الهيمنة الأميركية على العلاقات الدولية خاصة منذ الهجمات الإرهابية داخل الولايات المتحدة في سبتمبر عام 2001 واحتلال العراق في عام 2003.

ولكن سياسة العزل الأميركية بدأت تتحطم ذاتياً وبشكل تدريجي عندما استيقظ العالم الخارجي على مأساة الأوضاع في العراق ولبنان وفلسطين وبدأ يدرك سذاجة هذه السياسة وجهل منفذيها بحقيقية البعد الجيوسياسي والجيواستراتيجي لسوريا وغيرها من الدول العربية المحيطة بالمناطق المعروفة بـ «الأكثر سخونة» في العالم.

ولهذا فالعديد من الدول الغربية بدأت عملية «إعادة التقييم» للأوضاع السياسية في المنطقة بعيون ذاتية لدراسة مواقفها تجاه سوريا ولم تتردد في القيام بزيارات مكوكية لدمشق وبغداد وبيروت ورام الله وغيرها من العواصم العربية مدركة أن سياسة العزل لم تحقق أي نجاح يذكر إن لم نقل انها أضرت أكثر بمصالحها في المنطقة لا سيما أنها أدركت خطورة السياسة الأميركية الحالية في المنطقة والتي تتجه نحو التطرف أكثر فأكثر من أجل افتعال حرب جديدة تدرك الدول الغربية أنها ستكون كارثية على مصالحهم الحيوية وعلى المنطقة بأسرها.

المنطق في السياسة وفي العلاقات الدولية يؤكد أن الدول المؤثرة في محيطها المباشر لا يمكن عزلها لفترة طويلة لأن سياسة العزل تؤدي بهذه الدول إلى ممارسة التطرف والتشدد والبحث عن محاور قريبة أو بعيدة لإيجاد وسائل الصمود وتوفير أدوات المقاومة ضد سياسة العزل المفروضة عليها.

فكيف إذا كانت هذه الدول تملك من أوراق الضغط القوية ما يؤهلها من مقاومة سياسة العزل وإفشالها والعمل على إفشال المشروع السياسي الذي من أجله طبقت سياسة العزل أصلاً؟!

إن الإدارة الأميركية الحالية أخطأت كثيراً عندما قررت ممارسة سياسات الضغط والعزل في منطقة تصنفها بالحيوية والاستراتيجية للأمن القومي الأميركي بينما تشن هذه الإدارة حرباً على الإرهاب، وتقوم باحتلال دولة عربية ذات سيادة، وتؤيد فريقاً واحداً في دولة عربية أخرى ذات سيادة على حساب فريق آخر، وتدعم فريقا ضد فريق على أرض لا تزال وشعبها قابعين تحت الاحتلال، وتبشر بحرب ضد دولة إقليمية كبرى لا يعرف أحد نتائجها وتداعياتها إذا وقعت هذه الحرب لا سمح الله.

كما أن المنطق في السياسة وفي العلاقات الدولية يؤكد أن على الإدارة الأميركية مسؤولية كبيرة في توفير الأمن والاستقرار في منطقة حيوية وهامة مثل الشرق الأوسط وهذا يتطلب أن تقوم بإدارة الصراعات التي هي سبب رئيسي فيها كما هو الأمر في العراق وفلسطين والجولان على أساس احترام الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير المصير. وهذا ما لم يحدث حتى الآن.

أما في لبنان التي تحظى حكومته بدعم سياسي أميركي كبير فالمنطق هو أن على الإدارة الأميركية إذا أرادت فعلاً الخير للبنان والشعب اللبناني وأرادت منع أي تدخل خارجي لا سيما من سوريا وأرادت تحجيم دور المعارضة السياسي وإنهاء شرعية المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي أن تطلب من حليفتها إسرائيل الانسحاب الفوري والكامل من الأراضي اللبنانية، وهي أراض ليست بالهامة والحيوية من الناحيتين السياسية والاستراتيجية للأميركيين والإسرائيليين.

في ظل استمرار التخبط السياسي الأميركي في المنطقة واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وتدهور الوضع السياسي والأمني في العراق يصبح الحوار العربي - العربي الهدف الاستراتيجي الأول لتنقية الأجواء بين الدول العربية لإحياء مفهوم الأمن القومي العربي على أسس سليمة واستعادة زمام المبادرة سيما وأن الدول العربية لديها موقف موحد من مسألة الإرهاب وعملية السلام ووحدة لبنان واستقلاله ووحدة العراق وحقه في الاستقلال.

بالتالي فإن أهمية الحوار العربي - العربي تكمن حقيقة في أن الدول العربية بحاجة إلى موقف موحد تجاه السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط لأنه ثبت أن سياسة الإدارة الأميركية الحالية تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية لتدهور الأمن والاستقرار في المنطقة .

واستمرار المعاناة في فلسطين وتدهور العلاقات العربية - العربية وتعميق حالة الإحباط لدى الشعوب العربية إلى مستويات خطيرة. إنها سياسة «الفوضى الخلاقة» التي نقر ونعترف أنها أوجدت فوضى في المنطقة ولكنها بالتأكيد ليست خلاقة على الإطلاق.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com