جسدت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين القصيرة الى ليبيا مع الزعيم الليبي معمر القذافي حرص جلالته على تعميق العلاقات مع جميع الدول العربية الشقيقة دون استثناء ، وعلى التشاور مع القادة العرب حول مختلف التحديات التي تواجه النظام العربي من اجل صياغة موقف قومي قادر على التعامل مع تلك التحديات بما في ذلك الصراعات والنزاعات التي تهدد امن المنطقة.

لقد تمكن جلالة الملك خلال فترة قصيرة من ان يعيد صياغة علاقات بلدنا في محيطها العربي ، وكانت ليبيا منذ البداية على سلم الاولويات ، وقد لمسنا بشكل واضح العلاقة الدافئة والطيبة بين جلالته وبين الزعيم معمر القذافي من خلال التواصل بينهما وحرصهما على تعزيز علاقات التعاون بين البلدين والشعبين الشقيقين في شتى المجالات .

وتم تسجيل تقدم محسوس في عدة قطاعات لا سيما القطاع الاستثماري ، وتبادل الخبرات في مجال ادارة المؤسسات الحكومية والاهلية ، ومع ذلك فان التعاون ما زال دون الطموح ، الامر الذي يحتاج الى مزيد من اللقاءات للتعبير عن الارادة السياسية التي تستند اليها المؤسسات لتصل بالتعاون الى المستوى المطلوب.

لكن قمة أمس جاءت في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من الغموض الذي يبعث على القلق تجاه مستقبل الشعوب العربية حيث تتصاعد حدة المواجهة بين اطراف ظاهرة واخرى خفية ، وتتعرض البلاد العربية لضغوط داخلية وخارجية تستدعي ايجاد قدر من التضامن الذي يمنحها القدرة على درء المخاطر ، وفرض ارادتها وحقها في رسم مستقبلها قبل ان يرسمه لها الاخرون.

تلك المخاطر تتمثل اولا في تحديات التنمية الوطنية والقومية ، وثانيا في الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية والاحتلال الاجنبي للعراق ، وثالثا في خلط اوراق المنطقة الناجم عن التدخلات الاقليمية في كل من العراق ولبنان ، ورابعا في تنامي روح التعصب والعنف.

ولو اردنا ان نواصل عرض المخاطر لوجدنا انفسنا امام قائمة طويلة يتعلق معظمها بالهوية القومية والدينية وبرامج التعليم والبحث العلمي والحرية والديمقراطية والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار ، وكلها قضايا عرضت على مؤتمر القمة العربية في الرياض ، وتوجد حولها قناعة بضرورة التصدي لها اذا كانت البلاد العربية مستعدة للعمل الجماعي الذي يؤهلها للصمود في وجه التغيرات الدولية بكل ما تحمله من سلبيات وايجابيات.

ليس هناك من هو قريب واخر بعيد عن تلك المخاطر ، ولعل الزعيم الليبي معمر القذافي بخبرته الطويلة يشارك جلالة الملك في ايمانه بضرورة تحقيق التكامل والتكافل والتضامن بين الاقطار العربية خاصة في هذه المرحلة التي قلنا انها تشكل اكبر تحد يواجه مستقبل النظام القومي العربي.

ولذلك فان عقد القمة الاردنية الليبية امس اتاح فرصة مناسبة بين الزعيمين لاجراء تقييم للاوضاع الراهنة ضمن رؤية مشتركة لطبيعة الدور الذي يستطيع البلدان القيام به من اجل مساعدة العراقيين والفلسطينيين واللبنانيين على حل مشكلاتهم الداخلية كخطوة لا بد منها للخروج من الازمات بكل تعقيداتها الاقليمية والدولية.

يريد جلالة الملك من اخوانه القادة العرب ان يكونوا على اطلاع بكل ما يقوم به من تحرك لانجاح فرصة المؤتمر الدولي للسلام حتى يحصل الفلسطينيون على دولتهم المستقلة ، ويسعى دون شك الى تشكيل تحالف عربي لدعم المفاوض الفلسطيني من ناحية ، ولحل الصراع العربي الاسرائيلي بناء على المبادرة العربية للسلام ، ولعل محادثاته مع الزعيم القذافي قد تركزت على هذه المسألة شأنها في ذلك شأن بقية القضايا الثنائية والعربية ، ولذلك فقد كانت القمة ناجحة بكل المعايير.