لم تنته مآسي العراقيين حتى تسري إشاعات تتحدث عن وجود خطة انقلاب عسكري تنفذها جهات متنفذة في الحكم. مصدر هذا الإشاعات ليس جريدة مغمورة تسعى لرفع سقف مبيعاتها، بل خبراء أمريكيون منشغلون بالملف العراقي.
ربما تكون هذه الإشاعة وسيلة ضغط أمريكي غير مباشرة على رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وربما تكون من إصدار جهات أمريكية تسعى للضغط على الرئيس الأمريكي جورج بوش نفسه، أو هي للضغط على الطرفين معا وخلط حساباتهما.
مثل هذه الأوضاع تكشف غياب الخطط الواضحة للتعامل مع الأزمات، فعندما تغيب الرؤية السليمة الناتجة عن معطيات حقيقية لتقود إلى استراتيجية آمنة وفاعلة، تظهر الاحتمالات والتكهنات والرجم بالغيب.
وهكذا يتضح عمليا أن البيت الأبيض لا يملك أية خطة واضحة للتعامل مع الوضع في العراق، إذ لا بديل يمكن للأمريكيين الاعتماد عليه، فحكومة المالكي التي وضع عليها بوش كل آماله تقريبا انتهت مشلولة بعدما بدأ أعضاؤها يتخلون عنها، بل إن الأمور تزداد سوءا، فبعدما كانت متهمة بإذكاء الفتنة الطائفية بين الشيعة والسنة، حدث الأسوأ في كربلاء أمس باشتباكات بين أفراد الطائفة الواحدة، وما حدث قبل ذلك من مقتل محافظي الديوانية والمثنى مؤخرا، في صراع داخل الجنوب الذي لا يعرف وجودا لجهات متهمة بالإرهاب والعلاقة بالقاعدة. أي أن الأمور تنفلت من بين يدي حكومة المالكي بتجزئة الصراع وجعله متعددا، مما يفتح المجال لفوضى شاملة.
فإذا عجزت أمريكا والحكومة العراقية عن وقف مستوى العنف عند حده المعروف، كيف ستتصرفان إذن مع انفلات الأوضاع في الجنوب بين فصائل مختلفة أعطت مظهرا موحدا؟
هذا الوضع المسدود الذي وصل إليه البيت الأبيض وحكومة المالكي يؤدي إلى التفكير في أي حل ولو كان الانقلاب، رغم أنه ليس سوى هروب إلى الأمام ولإلهاء العراقيين وتأزيم وضعهم أكثر مما هو عليه، فالانقلابات لم تجلب شيئا للعراق ومن المؤكد أن أي سير في هذا الاتجاه، لن يكون سوى تعبير عن الإفلاس الشامل، فالولايات المتحدة جاءت بذريعة أسلحة الدمار الشامل، ولما لم تجدها حولت مهمتها إلى نشر الديمقراطية ومكافحة الإرهاب، لينتهي بها الأمر إلى تجربة الحلول الفاشلة واحدا بعد الآخر، ولو حتى بأسوئها.
