تتكرر بعض الأحداث التاريخية بقدر كبير من التشابه وقد تتطابق أحياناً، رغم المقولة الشهيرة بأن «التاريخ لا يعيد نفسه»، ورغم الجدل القديم الذي امتلأت به كتب فلسفة التاريخ حول مساره، وهل يسير بشكل حلزوني متصل أو على حلقات منفصلة لكل منها مسارها الخاص، وإن ارتبط بعضها ببعض زمنياً أو جغرافياً أو عبر النطاق البشري المحرك للأحداث والمنفعل بها.
وبغض النظر عن مدى صحة أي من الآراء المذكورة حول مسار التاريخ، وما إذا كان أي منها صحيحا بالمطلق أو خاطئا بشكل كامل، فإن الجدير بكل من يقرأ التاريخ ويتتبع أحداثه البعيدة أو القريبة، أن يتعلم ولو قليلا من دروسه الكثيرة وتجاربه الغنية بالعبر، حتى لا يقع في الأخطاء ذاتها التي ارتكبها من سبقوه فأوقعتهم في مصائر السقوط والهلاك.
لكن الواقع يدل على أن الكثيرين، وخاصة في ميدان السياسة، لا يتعظون بتجارب الماضي ولا يقرأون دروسه جيداً، بل إن بعضهم يبدو أمياً لا يستطيع مجرد تهجية أبجدية التاريخ، فضلاً عن التعمق في دراسته!
العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وبعض المتحالفين معها، غنية بالأمثلة البارزة، بل الصارخة، على الجهل الكلي أو التجاهل المتعمد لوقائع التاريخ القريب جداً، وحتى للأحداث التي لا تزال معاشة وجارية حتى اليوم، فعلى مدى تاريخها، وكله تاريخ حديث، أثبتت أميركا وبطريقتها الخاصة التي تفتقر إلى اللياقة، أنه في السياسة «لا صداقات دائمة»، وإن لم تؤكد بالقدر ذاته أنه «لا عداوات دائمة» في السياسة أيضاً، على الأقل بالنسبة لمنطقتنا العربية وساكنيها.
فقد كان شاه إيران السابق رضا بهلوي من أخلص حلفاء أميركا وأكثرهم انغماساً في خدمة مصالحها وتنفيذ رغباتها، منذ أن أسقطت المخابرات الأميركية حكومة رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق عام 1953 وأعادت الشاه الذي كان قد فر أمام الجماهير الغاضبة ضده بعدما حاول إطاحة مصدق وحكومته الوطنية.
ولكن عندما قامت الثورة على الشاه عام 1979 وأرغم على الفرار من البلاد، لم تشفع له خدمته لأميركا على مدى ربع قرن كامل، وظل شريداً مطارداً دون أن تسمح باستقباله على أراضيها أو تسمح لبعض حلفائها الآخرين باستضافته، إلى أن قبل به الرئيس الراحل أنور السادات وهو على شفير الموت حيث مات ودفن في مصر.
ومصير الشاه المهين حصل لكثيرين غيره من حلفاء أميركا، بل ومنهم من حصل له ما هو أكثر وأسوأ، مثل حاكم بنما السابق الجنرال مانويل نورييغا الذي خدم المخابرات الأميركية سنوات عديدة ثم نصبته حاكماً على بنما، قبل أن تنقلب عليه وتعتقله في عملية قرصنة مشهودة وتسجنه منذ عام 1989، وهو الآن معرض لتسليمه إلى فرنسا لسجن آخر بتهمة تبييض الأموال، بعد انقضاء فترة سجنه الأميركي التي تنتهي في التاسع من سبتمبر المقبل!
والأمر لا يختلف كثيراً بالنسبة لوزير خارجية الاتحاد السوفييتي السابق ادوارد شيفرنادزه الذي لعب دوراً معروفاً في انهيار الاتحاد السوفييتي، ونال رئاسة جمهوريته جورجيا (السوفييتية السابقة) كجائزة نظير خدماته، لكنه ما لبث أن أقصي وبشكل مهين، أيضاً، في ما اعتبر «ثورة شعبية» أصبح واضحاً إلى أي حد كانت كل خيوطها في يد الولايات المتحدة ومخابراتها المركزية.
وكذا الحال بالنسبة لحاكم تشيلي السابق الجنرال بينوشيه الذي كان من أقرب وأهم حلفاء أميركا في جوارها الجنوبي (أميركا اللاتينية)، ثم انتهى به المصير مطارداً بتهم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وقد تجاوز الثمانين من عمره!
والأمثلة في منطقتنا العربية عديدة كذلك، لكن يكفي مثال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي يعرف أن المخابرات الأميركية هي التي مهدت له طريق الوصول إلى السلطة ودعمته فترة طويلة في الحكم، ثم اتخذته ذريعة لغزو العراق واحتلاله، وكان مصيره المشهود على يديها حكماً بالإعدام شنقاً وعلى رؤوس الأشهاد!
ورغم كل ذلك، ما زال الجُحر الأميركي ذاته يستهوي ويُغوي الكثيرين، فيلدغون منه مرتين وثلاثاً وأكثر.. دون عظة أو عبرة!