لم يحدث أن انقسمت ردود فعل الرأي العام الكويتي حول تعيين وزيرة مثلما حدث مع تولي الدكتورة معصومة المبارك منصب الوزارة.. لكن الغالبية كانت سعيدة، ولم يحدث أن تباينت ردود فعل الرأي العام العربي حول استقالة وزير مثلما حدث مع استقالة الدكتورة معصومة من وزارة الصحة.. لكن الغالبية كانت أكثر سعادة.
بالتعيين كانت غالبية الرأي العام الكويتي سعيدة بأول امرأة كويتية في منصب الوزارة باعتبارها مؤشراً على مدى التطور الاجتماعي والسياسي للمجتمع، خصوصاً بعد النضال الطويل الذي خاضته المرأة الكويتية مع بعض المفاهيم الدينية المتحفظة.
والتقاليد الاجتماعية السائدة المعارضة بشدة ليس فقط لتولي المرأة المسؤولية الوزارية، بل لمجرد مشاركة المرأة في الترشيح أو التصويت بالانتخابات أيضاً، وباستقالة الوزيرة الأولى والتي نرجو ألا تكون الأخيرة ، كانت غالبية الرأي العام العربي أكثر سعادة باعتبارها مؤشراً على أن بعض الوزراء العرب بدؤوا يشعرون بمسؤوليتهم السياسية والأدبية عن القصور أو التقصير في وزارتهم حتى ولو لم تثبت إدانتهم فيه، خصوصاً أن لا أحد من رؤساء العالم العربي قد استقال من منصبه لأي سبب إلا في حالتين اثنتين، الأولى في «السودان» من جانب المشير «حسن سوار الذهب»، والثانية في «موريتانيا» من جانب العقيد «محمد أعلى ولد فال» اللذين وصلا إلى المنصب بتدبير الانقلابات وصعدا إلى مكانة أعلى من أي منصب بتنظيم الانتخابات.
وبالتالي فالحكومات أيضاً لا تستقيل أبداً وإنما تقال فقط ، ولم نشهد برلماناً شعبياً عربياً سحب الثقة من حكومة فشلت أو قصرت في حل مشكلات الشعب رغم تفاقم مشاكل البطالة والفساد وسوء الخدمات وازدياد معدلات الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة وسوء الخدمات في الصحة والتعليم والإسكان في معظم البلدان!
وإذا كانت الأمور على هذه الصورة فإن قوى الرأي العام العربي ممثلا في السلطتين الثانية «التشريعية» والرابعة «الإعلام» لم تستطع أي منهما ممارسة الديمقراطية السياسية أو الحرية الإعلامية إلا على الوزراء فقط، ورغم ذلك لم تستطع أي منهما في الأغلب الأعم من بلاد العرب سحب الثقة برلمانيا من وزير ينتهي بإقالته.
أو التعبير عن الغضب إعلامياً من سياسة وزير تنتهي باستقالته إلا في الكويت، حيث تمثل الممارسة البرلمانية في التجربة الديمقراطية الكويتية حالة فريدة للبرلمانات العربية، إذ تمارس السلطة التشريعية دورها بقوة تسترعي الانتباه في مواجهة السلطة التنفيذية، ويباشر نواب البرلمان الكويتي على اختلاف ألوان طيفهم السياسي والمذهبي ضغوطهم الديمقراطية بكل الآليات البرلمانية المتاحة على أعضاء الحكومة، بحق في نظر البعض، وبتجاوز في نظر البعض الآخر.
وتمتعت الصحافة الكويتية على اختلاف توجهها بحرية لا نظير لها في مجتمع له طبيعته السياسية وتقاليده الاجتماعية الخاصة.
وعلى اختلاف دورات البرلمان استقالت وتعدّلت أكثر من حكومة، وأقيل واستقال أكثر من وزير بفعل هذه الضغوط والآليات بدءا بطلبات الإحاطة ونهاية بالاستجوابات، مما جعل الوزير خصوصاً في وزارات الخدمات في منصب لا يحسد عليه، وعندما شب حريق في مستشفى الجهرة أدى إلى وفاة اثنين غير كويتيين وإصابة عدد آخر، ثارت ثائرة بعض النواب فسارعوا للإعداد لاستجواب وزيرة الصحة، فيما سارعت الوزيرة بتقديم استقالتها التي أضحت حديث الناس.
البعض رأى في الاستقالة هروباً من مواجهة المسؤولية، بينما رأى البعض الآخر فيها تحملاً للمسؤولية، والبعض رآها دليلاً على أن المرأة لا تصلح للوزارة بدليل عدم نجاح المرأة الأولى في الحكومة الكويتية في معالجة القصور في الخدمات الصحية.
بينما رآها البعض الآخر انها باستقالتها شعوراً بالمسؤولية السياسية والأدبية عن وفاة اثنين فقط أثبتت أن المرأة الوزيرة أكثر مسؤولية من وزراء رجال في دول عربية أخرى لم يستقيلوا أبدا رغم عشرات الاستجوابات، ومهما حدث من كوارث حتى لو توفي المئات و سواء غرق من غرق أو احترق من احترق أو صرخ الآلاف بالمظاهرات بسبب الجوع أو العطش!
لولا عناية الله جاءت باستقالة وزيرين في الأردن استشعارا للمسؤولية السياسية والأدبية أيضاً بسبب نقص المياه، وتسمم الشاورما حتى تأكد للجميع أن شجاعة الاستقالة ليست للنساء فقط ولكن للرجال أيضا!