ما زال الحديث في قضية التعليم واللغة مفتوحاً، فهي ليست قضية محلية أو قطرية، كما أشرت في المقال السابق، بل إنها تشغل حيزاً كبيراً من اهتمام الباحثين والعلماء والتربويين في أرجاء كثيرة من العالم، سواء كان ذلك في الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة أو أوروبا، أو في الدول النامية أو الفقيرة كبعض دول إفريقيا وشرق آسيا.
وهناك دراسات كثيرة تحاول أن ترصد العوامل المؤثرة في اختيار لغة التعليم في أي مجتمع من المجتمعات، وأثر هذا الاختيار في تطوير المنظومة التعليمية. وتتفق معظم الدراسات على أنّ اختيار لغة التعليم قرار تقف وراءه عوامل ليست بالضرورة علمية أو تربوية أو لغوية، فالتعليم شأن مجتمعي معقد تتضافر جوانب كثيرة في تشكيله وصياغة سياساته ورسم خططه واستراتيجياته.
فعلى الرغم من أنّ الدراسات العلمية والأبحاث التطبيقية تؤيد بقوة الأثر الإيجابي للتعليم باللغة الأم مثل دراسة دوتشر حول استخدام اللغة الأولى واللغة الثانية في التعليم في عام 1996، والدراسة التي قام بها كال في سنة 2001 في مركز اللغويات التطبيقية في واشنطن، ودراسة بيكر حول ثنائية اللغة في سنة2001 أيضا، وما نشرته اليونسكو في تقريرين مهمين حول مسألة التعليم باللغة الأم في سنة 2003.
وغيرها من الدراسات ـ إلا أنّ قرار اختيار لغة التعليم في كثير من الدول لا يخضع لمثل هذه النتائج، فليس الجانب التربوي أو المعرفي للتعليم باللغة الأم هو الذي يحدد التوجه المعتمد لسياسات التعليم، بل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية هي التي تمثل عوامل قوية حين يكون الحديث عن اللغة والتعليم.
ولعل موقف المجتمع، وخاصة الفئات المتفاعلة مع بيئة التعليم كالمعلمين وأولياء الأمور وقادة المجتمع ومديري المدارس والمتعلمين أنفسهم يعد من أهم هذه العوامل على الإطلاق، فاستجابة الناس الخاصة لتاريخهم وتراثهم، وتفاعلهم مع السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي يحبونه يجعلهم يكونون رؤية خاصة حول طبيعة التعليم ومخرجاته المتوقعة.
إنّ هذه القضية قضية خلافية في كثير من المجتمعات؛ فبينما يقف مؤيدو اللغة الأم من باحثين وعلماء وتربويين ومنظمات في موقف المدافع الذي يحاول أن يقنع متخذي القرار بأهمية تبني اللغة الأم في التعليم، يقف الطرف الآخر موقف المتردد أو المتجاهل أو المجامل الذي لا يتبنى القضية عن اقتناع، ولا يراها ذات قدر كبير من الأهمية في السياق السياسي والاقتصادي الذي يعيشه في الوقت الراهن.
فالتعليم متأثر تأثرا كبيرا بالتوجه العالمي القوي نحو التطور الاقتصادي وخدمة المصالح السياسية والاقتصادية لتحقيق أكبر قدر ممكن من الفوائد المادية في أقرب وقت، فالجميع يعيش في سباق محموم نحو تملك مصادر القوة والهيمنة. وأي منفذ للوصول إلى القوة أو السلطة له الأولوية، بغضّ النظر عن التداعيات التي قد يسببها في بنية المجتمع، وتماسكه، وتمسكه بما يحفظ له كينونته وهويته وتاريخه وتراثه.
ولذلك يرى كثير من علماء الاجتماع والسياسة أنّه إذا كانت اللغة الثانية تمثل مفتاحا للوصول إلى القيادة والسلطة والأمن الوظيفي والنفوذ والهيمنة، وتمنح صاحبها صفة النخبة القادرة على ارتقاء سلم المكاسب الاقتصادية غير المتناهي فإنها ـ لا شك ـ ستقدر من قبل المجتمع، وستقبل قبولا ساحقا، حتى لو كان هذا الأمر مصحوبا بمشاعر التخوف على الهوية والتعاطف مع اللغة الأم.
وفي مثل هذه الظروف فإن اللغة الأم تتراجع وتنخفض قيمتها في التعليم وفي مجالات أخرى كثيرة، ليس لأي سبب علمي أو حقيقي أو ذاتي في اللغة نفسها.
وتذكر الدراسات عوامل أخرى تؤثر كذلك في تحديد لغة التعليم في كثير من الدول، وهي عوامل تتصل بآليات التنفيذ والتطبيق؛ فحين تختار لغة ما لتكون لغة للتعليم فإن ذلك يستوجب أن تحظى هذه اللغة بكثير من الدعم العلمي والتربوي والرسمي والمادي والبشري، مما يجعل آليات استخدامها في مجال التعليم ميسرا جاذبا.
لكنّ الذي تعانيه كثير من اللغات ـ في مقابل اللغة الإنجليزية مثلا ـ أنّ آليات التنفيذ الناجحة غائبة أحيانا أو ضعيفة أحيانا أخرى، فليس هناك دعم مؤسسي قوي للغة من قبل أهلها، ولا وجود لمراكز أبحاث علمية متخصصة تطور وسائل ومواد تعليمية أساسية تمدّ بها بيئات التعلم المختلفة، وهناك ضعف كبير في المناهج التي تعلم اللغة الأم أو باللغة الأم، هذا بالإضافة إلى المعلمين غير المؤهلين، والتدريب غير الجيد، والإعداد الضعيف للوسائل التعليمية ومصادر التعلم الأخرى. وهذا ما يطلق عليه بـ «عقبة عدم الكفاية».
إنّ «عقبة عدم الكفاية» التي تعاني منها الكثير من اللغات ليس سببها اللغة في ذاتها، بقدر ما هي مرتبطة بالمجتمع نفسه، ومستواه التعليمي، وقدرته الاقتصادية والبشرية على دعم لغته، ورغبته الحقيقية في إنجاز هذا الفعل التاريخي، ومدى تقديره لما يملكه من معطيات تميزه عن الآخرين. ولذلك تتقدم العوامل غير اللغوية مرة أخرى في تحديد خيارات كثير من المجتمعات؛ فهل المجتمع مستعد لإنفاق الكثير من المال في سبيل دعم لغته الأم من أجل أن تنافس اللغات العالمية الأخرى؟
ومن أجل أن تتجاوز عقبة عدم الكفاية التي قد تمنعها من أن تكون لغة التعليم أو لغة التعامل اليومية في المجتمع؟ أم أنه سيختار اللغة الأخرى التي تجاوزت، بجهود أهلها الدؤوبة المتواصلة، عقبة عدم الكفاية، وأصبحت أداة عملية طيعة في مجال التعليم أو الاقتصاد أو الثورة المعرفية الهائلة التي يشهدها الناس في هذا العصر؟
قد يكون المجتمع فقيراً لم يحظ بفرص تعليم شاملة، وهو بذلك عاجز عن دعم لغته وإمدادها بعناصر القوة، وقد يملك المجتمع عناصر قوته من مال وعقول وقوى بشرية هائلة لكنه يتقاعس عن أن يشغل نفسه بالتطوير الحقيقي المثمر بعيد المدى، ويتوجه نحو الحلول الجاهزة السريعة التي قد تطفئ ظمأه المحموم نحو اللحاق بركب الآخرين المتقدمين، ولكن هذه الحلول ليست نهائية ولا حقيقية ولا يصل مداها الأجيال القادمة من الأبناء، فالظمأ سيعود، ولا يطفئه إلا شربة هنيئة من ماء الأرض نفسها.
جامعة الإمارات
