في العاشر من شهر (أغسطس) الجاري 2007، أصدر مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار 1770 الخاص بتوسيع دور الأمم المتحدة بالعراق. ويأتي هذا القرار على خلفية مشروع أميركي ـ بريطاني «لإشراك» الأمم المتحدة، ليعكس حقيقة مأزق الاحتلال وعدم قدرته حتى الآن على ضبط الأمن وحفظ النظام العام، خصوصاً بتفشي ظاهرة الإرهاب وانتشار الميليشيات واستشراء الفساد والرشوة وتشظي المجتمع العراقي وانقسامه بفعل صعود الظاهرة الطائفية ـ المذهبية والاثنية.
وازداد المشهد مأساوية وسوداوية خلال النيّف والأربع سنوات الماضية فالجثث المقطوعة الرؤوس والمجهولة الهوية والتي تُرمى على الطرقات والأرصفة بما يزيد عن 100 ضحية يومياً حسب تقديرات الأمم المتحدة وأصبحت ظاهرة مفزعة، وعمليات التهجير والتطهير المذهبي والاثني (الترانسفير) لاتزال مستمرة لدرجة أن الأمم المتحدة ومفوضية اللاجئين الدولية قدّرت عددهم بما يزيد عن أربعة ملايين و300 ألف (بما فيهم النازحون في الداخل)، ولعل هذه النسبة تعتبر أكبر نسبة مهجرين في العالم، ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخلال فترة زمنية قصيرة، خصوصاً تلك التي أعقبت أحداث سامراء عند تفجير مرقدي الامامين علي الهادي والحسن العسكري(فبراير 2006).
ومن جهة أخرى فقد ارتفعت أصوات الاحتجاج المطالبة بسحب القوات الأميركية من العراق، وخصوصاً من داخل الكونغرس الأميركي، وانحسرت شعبية الرئيس بوش إلى 31%.
وهذه أقل نسبة تأييد لرئيس أميركي. ورغم محاولات استعادة زمام المبادرة وتشكيل لجنة بيكر ـ هاملتون لتقديم توصيات بشأن معالجة الوضع في العراق، إلا أن الأمور سارت باتجاه لا يرضي سفن الإدارة الأميركية، فقد عكست انتخابات خريف العام 2006 النصفية للكونغرس وفوز الديمقراطيين حجم المشكلة التي تعاني منها إدارة بوش الجمهورية.
وإذا كان الرئيس بوش قد عاد لبعض توصيات بيكر ـ هاملتون، التي وضعها على الرف، فيما يتعلق بالحوار مع دول الجوار العراقي وخصوصاً (إيران وسوريا) اللتان كانتا في عداد الأعداء ومعسكر الشر والمحرضتان والراعيتان للارهاب (وما زالتا في الخطاب السائد) إلا أن مجرد فتح الحوار بالطريقة التي حدثت (جولتان مع إيران في بغداد وجولة مع إيران وسوريا في دمشق) يعكس مرّة أخرى مأزق السياسة الأميركية في العراق بشكل خاص والمنطقة بشكل عام، وهو ما يندرج في سياقه قرار مجلس الأمن 1770.
فحجة التخلّص من النظام الدكتاتوري السابق، الذي نُسب إليه امتلاكه أسلحة دمار شامل، أصبحت أكثر من فرّية بعد تفتيش كل ذرة من التراب العراقي بعد الاحتلال، اما وعود الديمقراطية المعسولة ونعيم الحرية والتعميم المبّشر بشرق أوسط كبير ومن ثم بشرق أوسط جديد، وبخاصة بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان 12 (يوليو) ـ (14 أغسطس)2006.
كما ورد على لسان كونداليزارايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة، فقد تحوّل إلى كوابيس مفزعة ورعب متصاعد لا يبدو ان نهاية منظورة له لحد الآن، بل أن الديمقراطية المحمولة جواً والحرية المحلّقة، تحوّلت إلى نوع من رحلة العذاب والموت بالنسبة للجنود الأميركيين، فقد زادت قائمة قتلاهم لتصل إلى 3704 (ثلاثة آلاف وسبعمئة وأربعة قتلى) وأكثر من 24 ألف جريح، بل أن عدد الاصابات وصل إلى أكثر من 55 ألف إصابة بضمنها العدد الكبير من المتعاقدين وأفراد الحماية للشركات الخاصة وفرق الموت والمرتزقة والمقاولين وغيرهم.
لعل هذه هي الأسباب الحقيقية وراء المشروع الأميركي ـ البريطاني، الذي توّج بصدور القرار 1770 من مجلس الأمن الدولي، فالرئيس بوش وصقور إدارته مثل ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وبول وولفيتز وريشارد بيرل وغيرهم لم يعطوا أي اهتمام بشرعية الحرب أو بقرارات مجلس الأمن، يوم قرروا تجاوز ذلك كلّه بما فيها استحقاق القرار 1441 الذي صدر خريف العام 2002، وقاموا بالتعاون مع ما سميّ بالتحالف الدولي بشن الحرب من دون تفويض من الشرعية الدولية، إضافة إلى التعارض مع ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي المعاصر.
لكن الإدارة الأميركية بعد الانتصار السريع الذي حققته باحتلال العراق في 9 (ابريل)2003، أعلنت على لسان الرئيس بوش انتهاء العمليات الحربية الكبرى في (مايو) 2003 ساعية إلى إصدار قرار من الأمم المتحدة ليشرعن احتلالها للعراق. وبالفعل فقد صدر القرار 1483 في 22 (مايو) 2003 من مجلس الأمن الدولي ليعترف بالولايات المتحدة كقوة احتلال (لها حقوق وعليها واجبات بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977).
وواصل مجلس الأمن إصدار عدد من القرارات بشأن الوضع العراقي، فقد صدر القرار 1500 والقرار 1511 (2003) حيث رحّب القرار الأول بالتشكيلات التي قام لها بول بريمر الحاكم المدني لمجلس الحكم الانتقالي، ومهّد القرار الثاني للقرار 1546، الخاص بما سمّي نقل السلطة للعراقيين في 8 (يونيو) 2004.
لكنه أبقى المسؤولية الأساسية بيد قوات الاحتلال، التي أطلق عليها صفة «القوات المتعددة الجنسية» حيث أخضع لها التشكيلات العسكرية العراقية الحديثة التكوين. وقد طلبت الحكومات العراقية المتعاقبة (حكومة د.أياد علاوي وحكومة د. ابراهيم الجعفري وحكومة نوري المالكي) تجديد مهمات القوات المتعددة الجنسية طبقاً للقرار 1546.
ما الهدف اذاً من صدور قرار جديد؟ وقبل كل ذلك ما هي الحلول الجدّية التي يسعى القرار الدولي 1770 لتقديمها لمعالجة الوضع العراقي المأساوي!؟
وبقراءة سريعة ودون عناء كبير سنتوصل إلى أن القرار المذكور جاء بصيغة إنشائية عامة وغامضة، فهو لا يتعدى أكثر من دعوة إلى زيادة عدد موظفي الأمم المتحدة وعودة ممثلها إلى بغداد وتقديم «النصح والدعم والمساعدة» للحكومة العراقية في مجالات عديدة سياسية واقتصادية وقانونية وبخاصة ما يتعلق بمقترحات تعديل الدستور والانتخابات وقضايا حقوق الإنسان وغيرها.
ورغم ترحيب الولايات المتحدة الحار بصدد القرار 1770واستقباله ببرود في بغداد وبخاصة من الحكومة، فقد أعاد الذاكرة إلى تفجير مقر الأمم المتحدة في بغداد، الذي راح ضحيته 22 شخصاً وفي مقدمتهم ممثل الأمم المتحدة سيرجيو دميلو (19 أغسطس 2003) .
وأدى إلى تخفيض عدد موظفي الأمم المتحدة إلى 300 موظف لكن 65 منهم فقط في العراق (بمن فيهم 5 في اربيل)، أما الباقي فهم موّزعون على الكويت والأردن، الأمر الذي دفع نقابة موظفي الأمم المتحدة إلى الاحتجاج وانتقاد القرار 1770 ومقارنة الوضع في عهدي كوفي عنان (الذي سحب الكثير من الموظفين من بغداد) وبان كي مون (حيث ازداد الوضع الأمني سوءاً)!
جدير بالذكر ان الغالبية الساحقة من موظفي الأمم المتحدة يقيمون في المنطقة الخضراء التي تقوم القوات الأميركية بحمايتها حيث يحشر فيها المسؤولون العراقيون والدبلوماسيون وغيرهم، فكيف يمكنها والحالة هذه تقديم النصح والدعم والمساعدة الجدية في ظل الانقسام والتشظي الذي عجزت واشنطن من احتوائه!؟
هل حقاً أن واشنطن تسعى إلى إيجاد شركاء فعليين، أم أنها تريد مشاركتهم في تحمّل المسؤولية دون أن تعطيهم حق المشاركة في اتخاذ القرار!؟ بمعنى أنها تريد غسل يديها مما آل إليه الوضع بالعراق. من هذا المنطلق يمكن قراءة الخطوات الأميركية سواءً باشراك دول الجوار أو الأمم المتحدة.
ولكن هل هذا هو المطلوب لحلحلة الوضع العراقي؟ أي إعطاء دور شكلي للأمم المتحدة وحوار مع دول الجوار! أم إعلان الانسحاب من العراق وتحديد جدول زمني لإنهاء الاحتلال، لتتولى المنظمة الدولية بعد ذلك إدارة الأزمة أو بمساعدة المجتمع الدولي ودول الجوار وخصوصاً المملكة العربية السعودية والأردن، إلى تركيا وإيران وسوريا وبمساعدة مصرية واماراتية وبدور داعم من جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والاتحاد الأوروبي. ولعل هذا هو الغائب في الحديث الدولي والإقليمي عند معالجة الوضع العراقي.
الهدف إذن من أي قرار من مجلس الأمن ليس الهروب من المسؤولية أو التحلل من تبعاتها، بل تحملّها بما له من إقرار واعتراف بالفشل، ومن اعتبارات قانونية وسياسية واقتصادية وأخلاقية وخصوصاً بعد أن وصل الوضع إلى طريق مسدود لا يهدد وحدة العراق ومستقبله حسب، بل يمتد إلى تهديد سلم وأمن المنطقة والعالم أجمع!
كاتب ومفكر عراقي
