تتورط أحياناً في اختياراتك. وكثيراً ما أسأت التقدير وذهبت لمشاهدة فيلم جديد ظننته يستحق المشاهدة فأخرج نادماً على هدر الوقت في مشاهدة ما لا يحفزك على التفكير أو يسليك قليلاً في وسط زحمة العمل والحياة.

لكنني أستطيع التأكيد أن أسوأ ورطة عشتها، مع الأفلام، كانت قبل أسبوع حينما استجبت لرغبة ضيف عزيز جاء من الرياض واقترح أن نذهب سوياً لمشاهدة فيلم «عندليب الدقي» الجديد من بطولة الممثل ـ المهرج محمد هنيدي.

خرجت مع ضيفي من صالة العرض نتحسر على الوقت الذي أضعناه في مشاهدة فيلم تهريجي لا يكتفي القائمون عليه بلغة انفعالية مباشرة (قومجية) أكل عليها الدهر وشرب ولكن يضيفون إلى ذلك سخرية مهينة بالشخصية الخليجية الغارقة في السذاجة والغطرسة كما يصورها الفيلم.

الرابط المشترك بين تلك الأفلام العربية «التجارية» هو تلك السذاجة في مسار أحداث الفيلم والجهل الواضح بما يمكن أن تحدثه السينما من أثر على المجتمعات العربية لو وظف الفيلم توظيفاً ثقافياً فنياً يقدم «فكرة» جديدة أو «رؤية» مختلفة لقضايا المجتمع العربي حتى وإن جاء ذلك في شكل كوميدي.

المشكلة هي في ذلك «السلق» التي تقوم عليها عملية الإنتاج كما يبدو. فشخصية «فوزي» في فيلم عندليب الدقي ترسخ تلك الصورة النمطية الظالمة لأبناء الخليج بطريقة ساذجة تتحول معها الكوميديا إلى إهانة لمجتمعات بأكملها.

أتمنى ألا أبدو هنا وكأنني أدافع عن «الشخصية الخليجية» من منطلق إقليمي ضيق الأفق فلو كان «فوزي»، رجل الأعمال الخليجي في الفيلم وأحد أبطال القصة، يمثل شخصية عربية أخرى لما تغير نقدي. القضية هنا هو في ذلك التسطيح والتعميم الفج.

إذ تنتقل الصورة فجأة إلى صحراء دبي حيث يجلس رجل الأعمال الخليجي، على كرسي في خيمته مصوباً بندقية الصيد نحو الغزال الذي يمسك به اثنان من حراسه ليبدأ في إطلاق النار فيصيب الحراس، واحداً بعد الآخر، وهو يقهقه في مشهد تهريجي شديد السطحية.

تتكرر الصورة الفجة وفوزي لا يتعامل مع مرافقيه العرب إلا بضربهم على وجوههم لأتفه الأسباب. كيف تكون إهانة الناس مشهداً كوميدياً أو مدعاة للضحك؟ ولماذا تتكرر مشاهد «صفع الوجه» كثيراً في الأفلام الكوميدية العربية وكأن «صفع الوجه» ممارسة عربية يومية ووجه من أوجه الكوميديا السائدة؟

إذا كنا ـ كعرب ـ عانينا طويلاً من تلك الصورة النمطية للشخصية العربية في أفلام غربية كثيرة فها نحن اليوم، بوجوه عربية ورأسمال عربي، نمارس التشويه والتعميم ضد بعضنا البعض.

المؤكد، بعد مشاهدة مجموعة من الأفلام العربية الحديثة، أن من يقف وراء عملية الإنتاج لا يدرك أصلاً المضامين الخطيرة التي يمكن أن تؤصلها هذه الأفلام عند بعض صغار المشاهدين في عالمنا العربي. كان بالإمكان استثمار رأس المال المخصص لمثل هذه الأعمال السطحية لدعم مشاريع فنية شبابية مختلفة ومبدعة في المنطقة بدلاً من إنفاقها على أفلام سطحية ومسيئة وتكرس صوراً نمطية كاذبة.

خذ على سبيل المثال مسلسل «فريج» الإماراتي الذي فاجأنا به شاب إماراتي مبدع اسمه محمد سعيد حارب: أليس في هذه التجربة الشبابية الخلاقة ما يغري للإنفاق على أفكار مبدعة لن تحقق فقط عوائد مالية جيدة ولكن ـ وأكثر أهمية - ستسهم حتماً في تحفيز آخرين على التفكير في إنتاج أعمال إبداعية مماثلة؟ كم من موهبة عربية خلاقة مدفونة لأنها لم تجد الدعم المالي والفني للأخذ بيدها كي تنتج ما يسهم في رقي الحركة الثقافية والفنية في العالم العربي؟

فجأة يعيدنا محمد هنيدي في «عندليب الدقي» إلى ذلك الخطاب البطولي، بطولة على الورق، في مشاهد انفعالية يحاول فيها منتجو العمل دغدغة المشاعر العربية الحالمة بـ «الوحدة» ولكن بشكل ساذج حتى لكان العمل تم خلال ساعات قليلة في عصر اليوم الذي قرر فيه صاحب الفكرة إنتاج الفيلم.

كان بالإمكان تقديم عمل فني كوميدي محترم تستثمر فيه الإمكانات وتوظف الطاقات الفنية العربية بما يسهم في تطوير الإنتاج السينمائي العربي ويرتقي بقضايا الإنسان العربي ويحفز على منافسة راقية تواكب تطلعات المعنيين بارتقاء الذائقة العربية.

بعد «الغلطة الكبرى» التي ارتكبتها بمشاهدتي لـ «عندليب الدقي» أدركت أن كثيرا من رؤوس المال العربية لا تزال تنفق على أعمال لا تسهم إلا في تأصيل التخلف العربي في وقت تتيح فيه إمكانات العولمة اليوم بدائل «عالمية» أخرى ربما صرفت الناشئة العرب عن أي إنتاج عربي ولعل في ذلك فائدة أكبر.

هل سيظل الطموح بمنتج ثقافي ـ فني عربي راق، يواكب الحاجة الملحة للارتقاء بأساليب التعامل مع قضايا المجتمعات العربية، مجرد حلم؟ وهل يفكر أهل رؤوس المال العرب بالإسهام الخلاق في دعم الحركة الثقافية والفنية الراقية في عالمنا بدلاً من هذا «الهدر» على مشاريع تسهم فقط في تسطيح القضايا وتشويه الصورة العربية وكأننا بحاجة لمزيد من التسطيح والتشويه؟

رئيس تحرير مجلة فوربز العربية

hattlan@post.harvard.edu