خطاب الرئيس الفرنسي، ساركوزي، حول سياسته الخارجية وبالتحديد إزاء الشرق الأوسط؛ يدعو إلى التوقف عنده؛ لأكثر من سبب. أولاً هو الأول من نوعه للرئيس الجديد. ثانياً، توقيته حيث أتى في لحظة سوبر غليان في المنطقة.
ثالثاً، اقتراب ساركوزي من واشنطن، أكثر من سلفه. رابعاً ان كلامه جاء في ظرف تنشط فيه دبلوماسية حكومته، على مختلف جبهات السخونة في المنطقة: من العراق إلى لبنان، إلى إيران. لكن أهم ما يلفت في خطابه، نبرة الانفتاح، ولو المشروط، حيال العواصم المعنية.
وعد بالانفتاح على طهران؛ لو هي تجاوبت في شأن الملف النووي. كذلك وعد بفتح حوار جيد وواسع مع دمشق؛ إذا تعاونت في الموضوع اللبناني.
وبالذات الاستحقاق الرئاسي القريب. كذلك أعرب عن رغبته بالنهوض بدور بارز للعثور على حل لأزمة العراق. ونوه، في هذا المجال بأن فرنسا كانت ومازالت رافضة لتلك الحرب. أما على صعيد القضية الفلسطينية، فقد أشار إلى ضرورة بذل الجهود لإعادة بناء السلطة الفلسطينية وإعادة إطلاق مسيرة سلام تؤدي إلى الدولة الفلسطينية.
واضح أن الرئيس الفرنسي قرر اعتماد سياسة الباب النصف مفتوح. على طريقة العصا والجزرة. تلويحه بالانفتاح والحوار وحرصه على التحلي بالمرونة والابتعاد عن الاستفزاز؛ من شأنها أن يتركا أصداء غير سلبية. بل بعض العواصم المعنية اتسم رد فعلها بشيء من الترحيب بلهجة ساركوزي، على الأقل لأنها مختلفة عن السياسة الأميركية؛ الرافضة للتحاور، وإذا ارتضت بالحوار، فمن طرف اللسان وعلى المستوى التقني فقط. لكنه انفتاح ضبابي.
لم يحدد الرئيس الفرنسي إطاره. والأهم من ذلك: هل يقوى الرئيس الفرنسي ـ وقبل ذلك هل يرغب؟ ـ على توظيف قربه المعروف من واشنطن من أجل تطوير مواقف هذه الأخيرة إزاء ملفات المنطقة. وبالتحديد العراق وفلسطين؟ عندما تحدث عن إسرائيل كان قاطعاً في تأكيد احتضانه وحرصه، إزاء أمنها.
لكنه لم يكن كذلك ولا حتى على درجة متواضعة من الجزم، بخصوص العمل على إقامة الدولة الفلسطينية. الصيغة التي لجأ إليها، شبه منسوخة عن تلك التي تعتمدها واشنطن منذ سنوات ـ الحديث عن إحياء عملية السلام وحمل الجانبين على التفاوض حول القضايا الخلافية ـ.
مخاطبة المنطقة بمفردات تلقى الاستحسان والقبول، أمر إيجابي ومرغوب. لكن إذا أراد الرئيس ساركوزي التميز وابتغى الفعالية؛ فلا بد له من الوضوح. على الأقل أن يكون الشق المتعلق بالجزرة متوازناً ومن غير لبس مع الشق المتعلق بالعصا، على الأقل هذا ما يفترضه العمل بقاعدة التحفيز.
لكن أن ينحصر الوضوح بالوقوف إلى جانب إسرائيل وواشنطن وحدهما وتبقى حصة الآخرين مقتصرة على اسماعهم الوعود بالانفتاح والتحاور معهم فقط؛ فذلك من شأنه أن يترك علامات استفهام كثيرة حتى ولو صدقت النوايا.
