تكشف التطورات الراهنة في كل من بغداد وواشنطن أن تعقيدات الأزمة العراقية تتفاقم علي نحو خطير, وغير مسبوق منذ كارثة الاحتلال الأمريكي عام2003. ويبدو هذا بوضوح من خلال رصد الأحداث والوقائع الآتية:
أولا: ان المشهد السياسي العراقي يعاني من حالة عدم استقرار نظرا لتباين مواقف القوي الحزبية والطائفية حول مسألة تحقيق المصالحة الوطنية, وانسحاب قوات الاحتلال. وهذا ماأدي إلي مسلسل الانسحاب من حكومة نوري المالكي.
وكان انسحاب جبهة التوافق السنية من الحكومة احتجاجا علي فشل الحكومة في تحقيق المصالحة مؤثرا ومهما.. ولايزال.. خاصة وأن جبهة التوافق لم تبد ارتياحها لاجراءات المالكي الأخيرة الخاصة بالمصالحة والتي تقضي بالسماح لاعضاء حزب البعث المنحل بالعودة إلي العمل في أجهزة الحكومة, واجراء انتخابات اقليمية في المحافظات, والافراج عن المحتجزين من دون تهمة.
وكانت هذه هي النقاط التي طالبت واشنطن بغداد بتنفيذها في اطار امكان التوصل إلي مصالحة وطنية من شأنها احتواء الخلافات الداخلية, وصولا إلي احتواء العنف.
ثانيا: في سياق عدم الاتفاق مع سياسات حكومة المالكي.. جاء انسحاب وزراء القائمة الوطنية بزعامة اياد علاوي من الحكومة الجمعة الماضي, احتجاجا علي ماوصفته بفشل الحكومة في تنفيذ برنامجها.
واللافت للانتباه حول انسحاب القائمة الوطنية من الحكومة أن هذا الانسحاب سرعان ما اقترن بتطور مهم. فقد كشفت مصادر صحفية أمريكية أن ثمة تيارا قويا في الحزب الجمهوري الأمريكي( حزب الرئيس بوش) يتبني حملة منظمة تستهدف اعادة اياد علاوي رئيس الوزراء العراقي السابق لمنصب رئيس الحكومة. وأوضحت هذه المصادر أن مؤسسة يار جريفيث أند روجرز للعلاقات العامة والضغط السياسي التابعة للجمهوريين تدير الحملة السياسية الجديدة لدعم اياد علاوي.
وتأتي أنباء هذه الحملة, في وقت تتصاعد فيه الاتهامات المتبادلة بين المالكي ومسئولين سياسيين وعسكريين أمريكيين. ذلك أن نوابا بارزين في الكونجرس الأمريكي يطالبون علنا هذه الأيام بضرورة اقالة المالكي, وتشكيل حكومة جديدة أقل طائفية.
ثالثا: أن المشهد العسكري في العراق يبدو عاصفا وخطيرا.. فالتفجيرات تتصاعد, والاشتباكات تزداد.. وتؤكد تقارير أمريكية أن فكرة التعزيزات العسكرية الأمريكية في العراق التي يدافع عنها بوش فشلت في تحقيق انجاز ملموس, فلم تفلح في تحجيم الميلشيات المسلحة. وإن أكثر من60 عراقيا يسقطون قتلي كل يوم.
ومن ثم, فإن كبار العسكريين الأمريكيين تتباين مواقفهم إلي حد الانقسام حول مسألة امكان سحب القوات الأمريكية من العراق. وليس أدل علي ذلك من أن الجنرال بيتر بيسي رئيس الأركان المشتركة والجنرال جورج كيسي رئيس هيئة أركان الجيش, يريان القيام بخفض سريع للقوات بنهاية عام2008..
في حين أن الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات الأمريكية في العراق يؤيد فكرة اجراء خفض متواضع في القوات بحلول الربيع القادم. ويتمثل الخفض المقترح في سحب الألوية الخمسة التي تمت اضافتها في اطار قرار بوش الخاص بتعزيز القوات.. وتشير تقارير أمريكية إلي أن هذا ماسوف يوصي به الجنرال في الشهادة التي يدلي بها أمام الكونجرس في منتصف الشهر المقبل حول تطورات الحرب في العراق.
وأيا مايكن الأمر, فإن العراق في ظل الاحتلال العسكري الأمريكي مقبل علي أيام عصيبة للغاية.. فليس ثمة شك في أن المشروع الأمريكي في العراق قد تعثر إلي حد الفشل الذريع.. وأن المخرج الوحيد للعراق من محنة الاحتلال وتوابعها المدمرة.. هو السعي الجاد للقوي العراقية لتحقيق المصالحة الوطنية, واقتران ذلك بالتوصل لوضع جدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية.
