ليس من المبالغة في شيء القول بأن العراق الشقيق يمر خلال هذه المرحلة بتطورات على جانب كبير من الاهمية والتأثير ليس فقط على حاضره كدولة وكمجتمع وشعب حافظ على وحدته وتماسكه الوطني بشكل دائم ومتواصل، ولكن ايضا على مستقبله على المديين القريب والبعيد.

ومع الوضع فى الاعتبار وجود قوى وتيارات ومصالح عديدة متناقضة ومتضاربة تتنازع وتتقاتل على ارض العراق الشقيق وتدفع بشكل مقصود ومتعمد نحو مزيد من العنف الطائفي من ناحية والعشوائي الموجه نحو المدنيين من ناحية ثانية، فإنه من غير الممكن التغاضي عن حقيقة ان وجود القوات المتعددة الجنسيات في العراق وما تقوم به من عمليات عسكرية تحت دعوى مكافحة الارهاب بوجه عام وعناصر القاعدة التي تسللت الى العراق بوجه خاص قد اتاحت الفرصة وأفسحت المجال امام تفاقم الاوضاع العراقية بشكل اكبر برغم ما تبذله الولايات المتحدة وبريطانيا .

وبعض الاطراف الدولية الاخرى من جهود كبيرة لاعادة بناء القوات المسلحة والشرطة العراقية وكذلك مؤسسات الدولة العراقية التي انهارت او تم حلها بعد دخول القوات المتعددة الجنسيات الى العراق عام .2003

وبغض النظر عن حجم المسؤولية التي يتحملها هذا الطرف الدولي او الاقليمي او غيره بالنسبة لما حدث ويحدث على ارض الرافدين، فإنه من المؤكد ان مسؤولية ضخمة تقع على عاتق القيادات والمسؤولين والنخبة العراقية التي تقف جميعها الآن امام مسؤولية تاريخية بحق حيال حاضر ومستقبل العراق.

ومن هنا تحديدا، وبغض النظر عن مأساوية وخطورة اعمال العنف التي تجري كل يوم على ارض الرافدين واستمرار عمليات الاعدام لعشرات المدنيين ومسلسل اكتشاف الجثث مجهولة الهوية وهو ما يدمي قلوب العراقيين وكل العرب، خاصة المدركين لقيمة وأهمية العراق ودوره الحضاري والسياسي والاقتصادي في المنطقة، فإن الاتفاق الذي توصلت اليه القيادات العراقية .

واعلن عنه امس الاول هو بالفعل اتفاق على جانب كبير من الاهمية ويحتاج ليس فقط الى جهود وإخلاص كبيرين، ولكن ايضا الى تكاتف وتضافر الجهود من جانب كل العراقيين، بل ومن جانب كل من يريد خيرا للعراق الشقيق او يتطلع لان تتجاوز ارض الرافدين محنتها الراهنة.

واذا وضعنا تفاصيل الاتفاق جانبا - برغم اهميتها ودلالتها الشديدة - فإنه يمكن القول بأن القيمة الكبيرة للاتفاق لا تكمن فقط في اهمية التوقيت الذي جاء فيه، ولكنها تنبع ايضا من نقطتين اساسيتين: اولاهما ان هذا الاتفاق تم بين قيادات الدولة العراقية، اي بين الرئيس جلال طالباني ونائبي الرئيس ورئيس الوزراء وحاكم اقليم كردستان.

ويعني ذلك ان كل اركان الدولة العراقية وممثلي قواها السياسية وأطيافها وطوائفها المختلفة قد التقت معا حول ادراك انه لا مناص من الاتفاق اولا بين القيادات العراقية ليكون اتفاقهم اساسا للعمل والحركة على كل المستويات بعد ذلك. ولعل هذا الاتفاق يحمل رسالة ذات مغزى الى اطراف عديدة بأن العراقيين ومهما بدا من خلافات فإنهم اقرب الى بعضهم البعض بأكثر مما يتصوره الآخرون. وهو امر ينبغي ان يضعه الآخرون في اعتبارهم.

اما النقطة الثانية فإنها تتمثل في ان اتفاق القيادات العراقية دار حول المصالحة الوطنية العراقية وعلى اتخاذ خطوات لرأب الصدع الذي حدث على امتداد السنوات الاربع الماضية والتوصل الى اجماع بشأنها. ومع ادراك ان الاوضاع في العراق تحتاج الى جهود ووقت ايضا، الا ان تضافر جهود مختلف الاطراف العراقية وإخلاصها وارادتها في العمل على خلاص العراق يشكل بالضرورة قاعدة شديدة الاهمية للدفع بالعراق نحو الخروج من النفق وليستعيد دوره ويحافظ على تماسكه الوطني وليتخلص الشعب العراقي من مخاطر وتهديدات وضغوط ومشكلات دفع ثمنها غاليا.