إعلان «خالد مشعل» بأن «جهود فتح الحوار بين فتح وحماس وصلت إلى طريق مسدود» أمر يثير الأسف وينذر بالمخاطر، بالرغم من أنه كان متوقعاً.

لأن قرار منع الوحدة الوطنية الفلسطينية هو قرار أميركي إسرائيلي ليس في فلسطين فقط وإنما أيضاً في لبنان وسائر مناطق المواجهة العربية والإسلامية مع المشروع الأميركي الصهيوني في الشرق الأوسط.

.. ولأن منع الحوار الفلسطيني يهدف إلى منع الوحدة الوطنية وبالتالي إلى إبقاء فصل الضفة عن القطاع وهذا هدف إسرائيلي وأميركي، ولأن محاولة إقصاء حماس كرقم هو قرار صهيوأميركى سابق على أحداث غزة بل على الانتخابات الفلسطينية.

.. ومع فشل القضاء على حماس عسكرياً، ومع فشل إقصائها سياسياً، كان الهدف هو إفشالها سياسياً وحصارها اقتصادياً ومنع ائتلافها مع الفصائل الأخرى خصوصاً فتح في حكومة وحدة وطنية، ولأن الخلاف بين فتح وحماس لم يكن مجرد خلاف على السلطة بقدر ما كان تناقضاً بين مشروعين:

سياسي مسالم لفتح يسقط المقاومة المسلحة من وسائله التفاوضية لإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 كحل نهائي، وجهادي مقاوم لحماس يعتمد المقاومة المسلحة وسيلة مشروعة لإسناد مشروعه السياسي لاستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في الأرض المغتصبة.

ولأن رهان السلطة في «رام الله» على ما يمكن أن تجنيه استثماراً لحالة الخلاف مع حماس مما تقدمه «واشنطن» من مساعدات، ومما تقبل به تل أبيب من تنازلات لرئاسة «عباس» دعماً «للاعتدال الفتحاوي» في مواجهة «التطرف الحمساوى» جعل القرار الفتحاوي واقعياً مرهوناً للقرار الصهيوأميركي، إن الخلل الذي يعاني منه الوضع العربي بمحوريه، نتيجة لخلاف السياسات جعل علاقات بعض العرب «المعتدلين» الناعمة مع واشنطن وتل أبيب، والخشنة مع بعض العرب «غير المعتدلين»، أفقد الصوت العربي قوة التأثير حتى على الطرف الفلسطيني!

أو الشواهد على ما سبق من أسباب كثيرة.. فالقول ان منع الحوار طبقاً لاتفاق مكة قرار صهيوأميركي، يدلل عليه رد الفعل الغاضب لواشنطن وتل أبيب على رعاية الرياض للاتفاق، ورد الفعل السلبي الأوروبي تجاه «حكومة الوحدة الوطنية» التي تشكلت طبقاً لاتفاق مكة، بينما كان تشكيل حكومة الوحدة هو مطلب أوروبي بل وشرط لوقف الحصار!

ويدلل عليه تحذير «أولمرت» القائل: «لا حوار مع عباس إذا حاور حماس»، وذلك في أعقاب دعوة عباس إلى «العودة إلى الوحدة الوطنية» استجابة للنصائح المصرية والسعودية!

ويدلل عليه الرفض الإسرائيلي لأي مسعى دولي لإعادة الحوار بين الفصيلين ولمنع الانفصال بين الضفة وغزة، ولدعوة «برودي» رئيس الوزراء الإيطالي «إلى ضرورة الحوار الفلسطيني، وللدعوة البرلمانية البريطانية للحكومة بضرورة فتح الحوار مع حماس!

وحينما عبرت الوزيرة «ليفني» عن هذا الرفض بالقول: «أعرف أن المجتمع الدولي تواق لرؤية تفاهم بين فتح وحماس، لكن ذلك خطأ كبير»، فإنها كشفت عن الهدف الإسرائيلي بالقول «إن ذلك يؤدي إلى تقويض حكومة فياض التي يمكننا التوصل إلى شيء معها»!،

والقول بأن الخلل الحادث في العلاقات العربية خصوصاً بين «الرياض» و «دمشق»، وعموماً بين ما يسمى المعتدلين والممانعين حول الملفات اللبنانية والعراقية والفلسطينية، أضعف التأثير العربي على الطرف الفلسطيني إلى حد كبير في مقابل التأثير الأميركي والإسرائيلي يدلل عليه، رفض «فتح» حتى الآن للدعوات العربية الرسمية والشعبية للحوار مع حماس، وعدم قبول دعوات حماس المتكررة للعودة إلى الوحدة الوطنية، بما يشير إلى أن التحذيرات العبرية والنصائح الأميركية أصبحت هي الأكثر تأثيراً واستجابة من التحذيرات العربية والنصائح الإسلامية لدى الرئاسة الفلسطينية!

ويخطئ كثيراً من يظن سواء في «تل أبيب» أو «واشنطن» أو «بروكسل» أن مواصلة العدوان على غزة، وتشديد الحصار السياسي والاقتصادي والإعلامي على حماس، أو أن الظلم والإظلام الأوروبي اللا إنساني على الشعب في غزة والذي رفضته القاهرة رسمياً واستهجنه الضمير الإنساني، سيجبر على الرضوخ لما تريده تلك العواصم، أو سيشطب حماس من معادلة القوى الفلسطينية فذلك واقعياً غير قابل للتحقيق، أما البديل الطبيعي عن إغلاق طرق الحوار فلن يكون سوى الانفجار الذي سيلحق الضرر بالجميع، لسبب بسيط لأنه لن يكون هناك خيار آخر.

mamdoh77t@hotmail.com