من استمع إلى خطاب عبد الله غول الأخير كوزير خارجية لتركيا، والرئيس القادم دون حاجة للمناقشة، يضعنا أمام تساؤلات مهمة كيف سيتصرف الرئيس القادم لتركيا مع رئيس وزرائه، كقوة واحدة تنتميان لحزب واحد (حزب العدالة والتنمية) أمام التحديات الداخلية والقضايا الدولية الثلاث الشائكة، الاتحاد الأوروبي والعلاقة بواشنطن وتحديات الشرق الأوسط الكبيرة والمعقدة؟.
مع نشر مقالتنا اليوم يكون عبد الله غول حسم في الجولة عبوره نحو القصر الرئاسي كما تعبر بسهولة القوارب التركية من مضيق البوسفور. ففي الجولة الثالثة لن يكون غول بحاجة لأغلبية الثلثين (367 صوتا) وإنما لأغلبية مريحة فهو بحاجة إلى (277صوتا) .
وهي لن تكون عصية على غول وحزبه الذي يمتلك في البرلمان التركي أغلبية مريحة، حصل عليها في الانتخابات القريبة الماضية والتي بلغت (340 صوتا) أي بمعل 6 ,46% من مقاعد البرلمان التركي (550 مقعدا). لهذا لن يكون غول هذه المرة متوتراً كما كان في الجولات السابقة.
حيث ظلت ابتسامته العريضة باهتة بعض الشيء، ليس خشية من صباح الدين شاكماك اوغلو كمنافس بائس من الحركة القومية، والذي لم يتعد السبعين صوتا في معركة الرئاسة، غير أن الأكثر بؤسا كان منافسه مرشح اليسار، والذي حصل على 13 مقعدا، فقد كان الفاصل واسعا كالمحيط، بين غول ومنافسيه فقد حصل على كل مقاعد حزبه مقابل صوت آخر من خارجه فبلغت الأصوات 341 صوتاً.
بهذا الانتصار الساحق في الجولتين كان غول يدرك، أن المسألة لا تتعدى إلا لعبة جولات في زمن ضائع، كما هي ركلات الجزاء الأخيرة مع حارس مرمى عاجز عن صد ضرباته النهائية.
لهذا كان يدرك وهو يخطب بقوة منددا خطورة تقسيم العراق إلى أجزاء وانعكاسها على جيرانه ودول الجوار، وهو بذلك يعني بلاده قبل الدول الأخرى، ولكنه دون شك عبر في هذا الخطاب عن قلق الجميع، فلا دمشق ولا طهران، بل وكل دول المنطقة ستكون راضية عن مشاريع البلقنة في المنطقة، وواصل غول قائلا في خطابه إن الشرق الأوسط به من المشاكل ما يكفيه فلا حاجة لإدخاله بتلك التقسيمات، والتي نراها من جانبنا، لعبة العراق الخفية، فأوراقها لاتزال في واشنطن تحت الأدراج بسيناريوهات عدة، يشكل التقسيم احد محاورها الممكنة.
ومع دخول غول إلى قصر الرئاسة يوم الثلاثاء المقبل بعد جولة ثالثة محسوم أمرها، يكون رئيس الوزراء اردوغان وضع برنامجه السياسي والانتخابي أمام المؤسسة العسكرية وقواها السياسية، التي قاطعت الانتخابات دون فائدة كما هو حزب الشعب الجمهوري أمام المحك التاريخي.
حيث زخم الشارع السياسي كان أكثر حضورا في إصراره على إيصال نواب يمثلون حزب العدالة، بعد أن لمسوا في حكومة اردوغان نجاحات ملموسة في سياسته الداخلية والخارجية، إذ لم تنفع مسائل التضخيم بمخاوف قوة دينية قادمة تهدد العلمانية والكمالية الأوروبية في تركيا.
لقد كانت الشهور الأخيرة متوترة بين الجارين التركي والعراقي بصدد حزب العمال الكردستاني، فكان على واشنطن التدخل لنزع فتيله، بين حكومتين تنظر لهما واشنطن كحلفاء مهمين في المنطقة، خاصة وان الولايات المتحدة تود مستقبلا استخدام الحدود التركية العراقية كخاصرة موجعة للجمهورية الإسلامية، مما يجعلنا نفهم لماذا معارك الحرس الثوري لأيام عديدة في المناطق الكردية المحاذية لحدود الدول الثلاث.
يبقى سؤال مهم لماذا اختار الجيش التركي الصمت؟ وهو الذي يدرك أن حزب العدالة والتنمية بدأ يفهم تآكل تلك المؤسسة من داخلها أولا، ومن جهة أخرى، تخلي الحلفاء التقليديين، الأوروبيين والأميركيين عنها في ظروف الدعوة إلى المؤسسات المدنية ونشر الديمقراطيات وانتهاء عصر الدكتاتوريات العسكرية في العالم.
ومهما تحججت المؤسسة العسكرية بأنها الوصي التاريخي والحارس الفعلي للعلمانية والكمالية، فان من يهمهم الأمر خارج تركيا ما عادوا يقبلون عملة مضى عليها وقت، ولن يقبلها أحد في السوق الدولية نتيجة انخفاض سعرها وقيمتها الفعلية، فقد انتهت الحرب الباردة وعلى العسكر الذهاب إلى ثكناتهم بهدوء، والانكفاء عن التدخل التام في الحياة السياسية، إذ يشاهد العسكر في تركيا، كيف يتعامل أصدقاؤهم الأميركيون والأوروبيون مؤخرا مع نموذجهم الباكستاني، حيث كان مشرف يرى نفسه نموذجا تركيا مصغرا.
وتجد حكومة اردوغان نفسها أنها تمتلك خيارا خاصا بها، يجمع ما بين تجربتها والتجارب الإسلامية المتنوعة كماليزيا وغيرها، حيث بإمكان تركيا، أن تواصل نهجا علمانيا ديمقراطيا، وفي الوقت ذاته تحافظ على الولاء والانتماء الديني لشعبها ودستورها وثقافتها المتنوعة.
وقد أكد غول مرارا بالتزامه متى ما وصل إلى سدة الرئاسة، باحترام الدستور وعلمانية بلاده، وهو بذلك يخفف من مخاوف المؤسسة العسكرية والاتجاهات الراديكالية الأخرى في الداخل، وقلق الأصدقاء الغربيين في الخارج، مفضلا عبد الله غول تقاسم الولاء وثنائيته بين الدين والسياسة، شريطة أن يفصل الدين عن دورها السياسي في الحياة الداخلية والخارجية لسياسة حكومته وحزبه.
وتبقى المعضلة للرئيس القادم مع رئيس وزرائه كيف سيتمكنان من الموازنة بين البيت الأوروبي المجاور والبيت الأبيض البعيد؟ حيث يساور واشنطن قلق عميق أن القادم الجديد للقصر الرئاسي لن يكون حصانا من السهل ترويضه كبقية الرؤساء السابقين، كما انه أكثر ميلا نحو البيت الأوروبي من ميله لواشنطن.
وبذلك يتراجع ويتبدل الدور التركي في المنطقة مستقبلا وفق المنظور الأميركي، بينما يتعزز الدور الأوروبي في منطقة حساسة من العالم، والذي يضع أمام تركيا إغراء العضوية باستمرار، ويلعب بأحلامها بهدوء متواصل في أجندات كثيرة، على حكومة غول أن تلتفت إليها بجدية.
بما فيها مسألة قبرص والحقوق الكردية وتعميق المسار الديمقراطي في تركيا والاتجاه نحو التحديث والعولمة، طالما رغبت أن تكون فردا من أفراد العائلة الأوربية، حتى وان لبست،، حجابها الديني،، فذلك لا يهم كثيرا الاتحاد الأوروبي، طالما أن الحجاب إرثا ثقافيا وليس بعبعا سياسيا، يتم النظر إليه كرمز مخيف، فالإسلام صار حقيقة أوروبية.
وقد كان الحجاب منذ قرون طويلة في تركيا وغيرها، ومع ذلك لم يثر موضوع الحجاب ترهات حمقاء عدائية، فقد كانت تركيا يومها البنت المدللة في الحرب الباردة دون منازع. لهذا ستدخل زوجة غول إلى قصر الرئاسة بطريقة تركية و«كخانم» للرئيس المعاصر، دون عمامة الباشوات التقليدية، لتذكرنا بالحقبة العثمانية وإمبراطوريتها الشاسعة، مثلما دخل أصحاب العمائم في إيران إلى القصر الجمهوري الشاهنشاهي.
فلماذا لم يتم الصراخ والاحتجاج على رافسنجاني وخاتمي بعمامتهما، بينما يتم المبالغة على حجاب السيدة الأولى، وهي التي انشغلت مؤخرا ببيوت الأزياء في سويسرا وفيينا، لكي يصمموا لها صرخات وموضات تناسب هيئة وقيافة «السيدة الأولى».
ملابس تناسب جمالها وشخصيتها البرتوكولية، وكأنها كانت تدرك عن ثقة، أن دخولها للقصر حقيقة لا يمكن الجدال حولها، إذ لا يمكن أن يدخل الرئيس وحيدا، دون أن يتأبط ذراع زوجته نحو الغرف المفتوحة والمغلقة.
كاتب بحريني