كان التعبير المجازي لوصف درجة حرارة الوضع السياسي لأية ساحة سياسية انه ساخن يعني انه مشوب بحراك نتائجه غير متوقعة، إلا أن الكويت استثناء واضح من ذلك التعبير المجازي.
فقد كان صيفنا صيفا سياسيا مرتفع الدرجة بل وقاسي الحرارة، حيث إن أعضاء مجلس الأمة أو بعضهم على الأقل لم يستمتع بإجازة صيفية مريحة كما قرر في القانون،لقد كانوا مشغولين بإثارة القضايا المختلفة والساخنة بين فترة وأخرى يستجيب بعضهم إلى التصريح عن ضجيج أصوات أوراق الشجر إن تمكن من ذلك.
بدأ الصيف بتلاسن خشن بين عضوين من الأعضاء على خلفية مواقف سياسية اجتهادية وحقائق دامغة، وكاد أن يتبع بآخرين في نفس التوجه العراكي، وانتهى الصيف تقريبا بحريق في مستشفى الجهراء، فلم يهنأ احد لا بجو معقول ولا بإجازة خاليه من المنغصات. إلا أن تلك الحرارة القاسية رغم شدتها تبشر بخريف ساخن أقسى بكثير مما شهدناه حتى الآن.
إلا انه بين التلاسن والحريق مرت أكثر من أزمة،منها الكهرباء ونقصها،ومنها المطار ومشكلاته المقيمة،ومنها مكاتب الإعلام الخارجي التي أراد بعض المشرعين أن يأخذوا دور الدولة فيها فيقرروا أن تلك الخطوة التنفيذية تصلح والأخرى لا تصلح في عملية تبادل ادوار غير مسبوقة.
الوزارة أصلا ينقصها بعض الأعضاء من جراء الاستقالات والاستجوابات السابقة،وأمام التهديد القائم فان ثلاثة من الوزراء على الأقل مهددون بالاستجواب، ومن ثم يمكن أن لا يبدأ الخريف إلا وعدد أعضاء الوزارة يتناقص مثل أوراق شجره،وأصبح الاستجواب في القاموس السياسي الكويتي هو في النهاية خروج الوزير من التشكيل والإطاحة به بعيدا.
أما الأهم من كل ذلك فان الاستجواب أصبح يعني لدى كثيرين أن طرفا سياسيا واحدا يملك الحقيقة كاملة ونهائية،وهذا بحد ذاته انحراف عن المسار الديمقراطي المرتجى،ولم يعد سرا أن الوزير في الكويت أصبح موقعا للسهد بالليل والقلق بالنهار، يقرر له اقل موظفيه شأناً ما يجب أن يفعل أو يقول.
إذن أمام ذلك، ليس أمام المراقب إلا أن يتوقع ذلك، أن الصدام لا شك قادم بين الوزارة وبين المجلس. وليس في الأمر جديد، إلا أن الجديد أن التأزيم أصبح لازمة متأصلة في العمل السياسي الكويتي،وكل ذي بصيرة يرى أن استمرار الحال على ما هو عليه يعني دائرة جهنمية من الاستجواب، ثم الاستقالة،ثم تأزم الحكومة ومن ثم حكومة جديدة.
مثل هذا الأمر الذي تمت ملاحظته من قبل افتتاحيات بعض الصحف الكويتية في خلال أشهر الصيف ونادت بالنظر فيه،وسمى بأسماء مختلفة ينبئ عن أن الأزمة اكبر بكثير مما يتخيلها البعض، أزمة أصبحت تسمى أزمة عمل سياسي في صلبه دائرة غير منقطعة من (المصالح للبعض) الذي يعتبرها آخرون من السدة البرلمانية أنها مضادة لمصالحهم.
فيصبح المُنفذ (الوزير) هنا أمام خيارين أحلاهما مر،إما بالقيام بتحقيق مصالح البعض،وبالتالي إثارة الآخرين ضده،أو السير في إصلاحات يراها لازمة للعمل فيصبح الجميع ضده، لان أية إصلاحات في الأعمال العامة اليوم سوف تصيب برذاذها السلبي بعض القوى الأخرى.
الأكثر إثارة في الموضوع كله أن التجمد خوفا من المساءلة الذي يصيب الهيكل التنفيذي والخدمات يؤثر على الخدمات العامة فتزداد رداءة، لان اتخاذ القرار أصبح أكثر إيلاما ومدعاة للمساءلة السياسية من عدمه،وهكذا يقع المجتمع في دوامة يخطئ من يظنها غير معطلة.
ما هو المخرج من هذه الدوامة، لا اعتقد أن عاقلا يستطيع أن يقدم مخرجا أو مخارج سريعة فالأمور سوف تتردى أكثر قبل أن تصلح.
هناك مدرستان للتفكير،الأولى ترى أن تترك الأمور كلها للتردي أكثر وأكثر حتى يظهر للمجتمع أن بقاء الحال على ما هو عليه يؤزم العمل العام ويؤثم الأبرياء من الناس بشكل اكبر وأوسع،والمدرسة الأخرى ترى أن كل التأزيم يأتي بمصالح لها،قد تستدعى للإنقاذ إن استطاعت، فاستمرار التأزيم هو فرصة مناسبة.
الخلفية التي يمكن ملاحظتها انه لم تعد هناك مصالح عامة ومشتركة وجوهرية في العمل العام، هناك دوافع إما إيديولوجية تعني المعارضة من اجل المعارضة، حيث يكسب القائم بها شعبيا، أو معارضة لتحقيق مصالح ذاتية أو فئوية أو قبلية أو طائفية. الوصول إلى المشترك هنا ليس صعبا فقط ولكنه في درجة المستحيل.
لا احد يعرف على وجه اليقين ما يمكن أن يتم خلال الخريف القادم من خطوات سياسية،إلا أن المؤكد أن العد العكسي والسريع إلى الأزمة الكبرى قد بدأ. البعض يقوم بهذا التأزيم ظنا منه أن التوقيت الافتراضي لفترة المجلس التشريعي الحالي قد أذنت بالانفراط،وبالتالي فان تجميع اكبر عدد من النقاط الشعبية في ملف العضو عن طريق تشكيل العقل المؤازر، هو احد الضمانات للعودة من جديد إلى الكرسي الأخضر،في حال الدعوة إلى انتخابات مبكرة.
خاصة وأنها قد تجري في الغالب على قاعدة الدوائر الخمس، غير المجربة و التي أصبحت قانونا نافذا في أي انتخابات قادمة. أما العلاج الآخر لهذه الأزمة المتجددة فانه ما أصبح يرمز إليه بالعلاج المر، وقد يكون مقيتا إلا انه حيوي لبقاء الوطن،فالاستمرار في تصور الكويت مزرعة لا وطن يفقد الكثيرين على مر الوقت الإيمان ببناء دولة حديثة تستطيع أن تقدم لمواطنيها الاستقرار عوضا عن تقديم الرفاه. و يا له من خريف.
كاتب كويتي