أكثر قرارات مجلس الأمن الدولي إجحافاً واستخفافاً بهيبة وكرامة وحقوق الدول والشعوب كانت من نصيب دول وشعوب ما يعرف بالعالم الثالث. في قضية فلسطين مثلاً وعلى الدوام كان تشكيل وصياغة وتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي مواكباً لمتطلبات الطرف المعتدي المحتل، والحال هذه إسرائيل صاحبة أقبح العناوين في سجلات حقوق الإنسان.
في قليل من مشاريع القرارات التي كانت بعض الوفود العربية تنجح في التدخل في صياغتها، ولو بشكل خجول، ووجهت بفيتو عنيد من أحد مندوبي الدول دائمة العضوية في المجلس. في مجمل أمر الشأن الفلسطيني مثّل مجلس الأمن الدولي الذراع «القانوني» الموصد في وجه محاولات جادة ومنطقية مقترحة من هذا الطرف أو ذاك لحل القضية الفلسطينية وإنهاء مأساة الشعب الفلسطيني المتفاقمة المزمنة.
في قضايا العالم النامي الأخرى لا تقل القرارات الدولية إجحافاً وبؤساً وتعنتاً وعناداً. لا يحتاج الأمر إلى كثير من الولوج في التفاصيل بسبب قوة الصراحة والصرامة والصلف في تشكيل وصياغة وإصدار تلك القرارات.
استُعملت قرارات مجلس الأمن في تنفيذ وتبرير غزو أفغانستان والصومال والعراق لأسباب معلنة واهية كاذبة مزيفة. استُخدم قرار لمجلس الأمن الدولي للتدخل في لبنان وسوريا، ولضرب لبنان بسوريا، تحت مظلة محكمة جنائية خاصة مثيرة للجدل للتحقيق في اغتيال الحريري.
استخدمت قرارات مجلس الأمن الدولي لمحاصرة وتهديد وضرب العراق من قبل وإيران حالياً، للأولى والأخيرة بسبب ملف نووي أو أسلحة تدمير شامل مزعومة. بقية الدول النامية والتي إن تقف أي منها على قدميها ستمر تحت منشار عدالة! مجلس الأمن الدولي، حالياً ذي التصميم والتخطيط والباع والذراع الأميركية.
صدور قرار من مجلس الأمن لا يعني أبداً التوقف عند تفسير نصوص بنوده التي بدأ بها كما وردت على أرض الواقع بل تتبعها تفسيرات ميدانية تتلاءم مع توجهات وتطلعات ونزوات أنظمة حكم الدول العظمى السياسية.
إذا ما تطلّب الأمر يلغى أو يعدل القرار أو تعاد صياغته أو تفسيره أو يستدعى نص من مثل البند السابع من قانون الأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة في أية مرحلة تحتاج إليها الدول الأعضاء القوية في المجلس. يجري ذلك وجل دول العالم الأخرى تغط في حالة مزمنة من انعدام الوزن السياسي والاقتصادي، الفردي والجماعي الحاشد، المؤثر استفحلت بُعيد تكوين مجلس الأمن عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية قبل أكثر من ستين عاماً من عمر البشرية.
خلال إصدار أو تطبيق قرارات مجلس الأمن قد تظهر أصوات معارضة في شوارع عواصم ومدن الدول الغربية نفسها على شكل مسيرات أو مظاهرات معارضة لتلك القرارات المتطرفة.
يتم التغاضي عن تلك المعارضة العلنية وتُبارَك على أنها إحدى نتائج الديمقراطية الحقيقية وحرية التعبير وتلك مدعاة للفخر والإعجاب لدى القادة بدل النزول عند مطالب المتظاهرين. مسيرات ومظاهرات استعراضية لا تسمن ولا تغني من جوع، في الوقت الذي تصطلي الشعوب الضعيفة بنيران أسلحة الحصار والفتك الفردي والجماعي في طريق تطبيق قرارات مجلس الأمن.
يشكل ذلك التصرف الأناني والتحدي السافر من جهة الدول القوية دعوة صريحة للدول والشعوب الضعيفة وبإلحاح متزايد كي تكون قوية وذات قرار مستقل بشكل حقيقي، أو لا تكون!. هنالك من الدول من استطاعت الشب عن الطوق المقام حولها والأمثال التاريخية والدولية كثيرة ومنها حالياً المثلان الصيني والإيراني.
حتى العام 1970 كانت الصين غائبة مغيبة عن المسرح السياسي الدولي، إلى أن احتلت مقعداً دائماً في مجلس الأمن وأصبح باستطاعة مندوبها الدائم أن يرفع ذراعه معترضاً بفيتو على إصدار قانون قد لا يرضي الساسة في القيادة الصينية. المثل الإيراني أكثر سطوعاً في المسرح الدولي الحديث؛ من دولة محاصرة وفي حالة حرب طويلة منهِكة مع معظم دول العالم تستطيع الآن أن تتحدى بصلابة منقطعة النظير أقوى دول العالم مجتمعة أو فرادى.
وصلت الصين وإيران إلى معدلات نمو ومستوى استقلالية وإنتاج قياسية واكتفاء ذاتي أذهل الدول القوية والدول التي تسير في فلكها منذ عقود طويلة، حتى التي تم تحويل نظامها السياسي والاجتماعي إلى شكل غربي.
كلمة مستحيل في تعامل الضعفاء مع قرارات مجلس الأمن الدولي الفوقية المجحفة بحقهم موجودة فقط في قاموس الحمقى التعبين الكسالى أو الجهلاء الجبناء. تمتلك الدول والأمم المغبونة والمغلوبة على أمرها ناصية الأمور في كثير من الأمور فيما لو قررت الوقوف على أقدامها وانتزاع احترام سيادتها وكرامتها وحقوقها.
مع ازدياد عدد الدول المستهدفة بالاستضعاف يمكن تشكيل بؤرة قوة مؤثرة بتكاتف تلك الدول، تتوجه وفودها في الأمم المتحدة جميعاً إلى مكان انعقاد مجلس الأمن حيث مصدر البلوى الدائم على تلك الدول الضعيفة.
هنالك يتم تسليم وثيقة احتجاج جماعية على مجمل تلك القرارات التي صدرت حتى الآن، وما سيصدر لاحقاً!، فيها تخبر المجتمعين الكبار أن عالماً محكوماً من مجلس الكبار أو «الخواجات» هكذا بات حالةً لا تطاق. على المجتمع الدولي أن يجد حلاً لمشكلة مجلس الأمن التي باتت تؤرق المليارات من البشر موزعين بشكل متفاوت في الكثافة على مختلف القارات.
كمثل واضح قريب على سوء استعمال مجلس الأمن لصلاحياته لتأمين مصالح الكبار ذلك المختص بإقليم دارفور السوداني. قاد المندوب الصيني، والذي بلاده تمتاز بمصالح هائلة في السودان، قاد أعضاء مجلس الأمن في التصويت بالإجماع لإصدار قرار يسمح بنشر قوات دولية في أراضي دولة مسالمة ذات سيادة بضغط من الإدارة الأميركية.
كغيرها من جلسات مجلس الأمن، فيها بدا المجلس مثل مؤسسة أو جمعية سياسية خاصة أو حتى عصابة متميزة ترعى مصالح الكبار في تقاسم ثروات الضعفاء وتوزيع مناطق السيطرة والنفوذ وفرض الحصار وإجازة الغزو والاحتلال. لا يشرّف الإنسانية أن يتحكم بشؤونها ومصيرها مجلس لا يتردد في الوصول بمستواه إلى هكذا مستوى مهزلة.
مندوبو الدول العظمى يراعون سياسات وأمزجة زعمائهم السياسيين الأنانية الضيقة وليس لديهم الحد الأدنى من الوعي والتفهم لقضايا الشعوب الأخرى. مثلاً كرئيس للولايات المتحدة يتمتع السيد جورج بوش بنزعة انتقامية فاشية شوفينية عنصرية حاقدة. بالإضافة إلى سجله الطافح بالجرائم ضد الإنسانية والشعوب الضعيفة يحرّض الرئيس الأميركي العالم على العرب والمسلمين.
يذهب بوش في أحد تصريحاته إلى حد يريد فيه أن يجعل من بترول العرب والحاجة إليه شيئاً من الماضي. في ذلك على المرء أن يتصور أن الولايات المتحدة التي التهمت جل بترول الشرق الأوسط لعقود طويلة من الزمن واستحوذت على جل عائداته المالية في مصارفها ومؤسساتها المالية يتمتع رئيسها بتلك النزعة الغاية في الشراسة والفظاظة والتطرف والعنصرية.
من المؤسف أنه بهذه المنهجية السياسية التي باتت تقليدية يتم استعمال مجلس الأمن لإصدار قرار جسور يؤدي إلى فصل إقليم دارفور عن السودان في تحد واضح لما هو متعارف عليه سياسياً وقانونياً ومنطقياً وأخلاقياً.
بات لدى الكاوبوي والعرّاب السياسي جورج بوش الآن مطرقة جديدة يضرب بها بترول العرب كمصدر شبه وحيد للاقتصاد والتمويل العربيين، تسمى مطرقة دارفور. ذلك ما يفسر أنه في جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن دارفور كان الرئيس والمقرِّر الفعلي لها هم متمردو دارفور وفي مقدمتهم السيد «عبدالواحد محمد أحمد النور»، مسمار جحا الغرب الجديد لحقوق الإنسان في خاصرة السودان الغربية.
لم يتمكن مجلس الأمن فعل شي بالخير يذكر في قضايا مصيرية مثل العمل على الحد من توسيع ثقب الأوزون الذي يهدد الحياة على الأرض والذي تساهم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بتوسيعه وجعله أكثر خطراً داهماً.
وماذا عن قضايا أخرى أكثر إلحاحاً من ثقب الأوزون مثل الفقر والجوع وانتشار الأوبئة وقضايا أسلحة التدمير الشامل التي باتت جميعاً تهدد العالم بالويلات والثبور؟!. إن توخي إرضاء مجلس الأمن للدول المسيطرة جعل منه جسماً مشلولاً تجاه جل القضايا التي تواجهها البشرية جمعاء.
جامعة الإمارات