تتركز انظار الاعلام الغربي بكثافة هذه الايام على اخفاقات التدخل الامريكي في العراق، وتصاعد الخسائر المادية والبشرية في صفوف القوات الغربية، ولكن الوضع في افغانستان لا يقل سوءا، بل بات يشكل مصدر قلق حقيقي للولايات المتحدة وحلفائها من الدول التي ارسلت قوات الي هذا البلد في اطار حلف الناتو مثل ايطاليا وألمانيا.
فإذا كانت هزيمة القوات الامريكية في العراق شبه مؤكدة، فإن الحرب في افغانستان لا يمكن كسبها، لأن حركة طالبان استطاعت ان تعيد تجميع صفوفها، وتوثق تحالفها مجددا مع تنظيم القاعدة بما ادى الى وقوع خسائر كبيرة في صفوف قوات حلف الناتو والحكومة الافغانية المتحالفة معها.
الادارة الامريكية باتت قلقة من احتمالات سحب الحكومتين الايطالية والالمانية لقوات بلديهما من افغانستان بسبب تعاظم الخسائر البشرية في صفوفها، وفي صفوف المدنيين الافغان من جراء القصف الامريكي الوحشي لمواقع يتمركز فيها انصار حركة طالبان .
فالأغلبية العظمي من الشعب الالماني باتت تضغط على الحكومة من اجل سحب القوات الالمانية البالغ تعدادها ثلاثة آلاف جندي، لأن هناك قناعة تتبلور بسرعة وقوة في اوساط هذه الاغلبية مفادها ان المشاركة الالمانية في هذه الحرب ليست لها اي قيمة فعلية، بل على العكس بدأت تعطي نتائج عكسية تماما، فقد قتل رهينة الماني، وهناك رهينة اخرى لدي طالبان مهددة بمواجهة المصير نفسه.
افغانستان اصبحت قصة فشل غربية اخرى، فمعظم الوعود التي اغدقها الامريكان على الشعب الافغاني قبيل واثناء فترة الغزو لاطاحة نظام طالبان الاسلامي الاصولي لم تتحقق، بل ازداد الوضع تدهورا علي الصعد كافة، فالامن بات شبه معدوم في معظم انحاء البلاد، وحجم الخسائر في صفوف المدنيين من جرّاء القصف الجوي الامريكي بات مصدر توتر بين القوات الغربية واهل البلاد، ووصل الامر بالرئيس الافغاني حميد كرزاي الي توجيه انتقادات لاذعة لحلفائه الامريكيين في هذا الصدد.
حركة طالبان باتت تسيطر علي اقليم هلمند وعدة محافظات افغانية، ومنطقة القبائل الحدودية مع باكستان وساهمت الخسائر المدنية الكبرى الناجمة عن القصف الامريكي في انضمام اعداد كبيرة من المتطوعين الى الحركة وهو تطور كان شبه معدوم في العامين الاولين للتدخل الامريكي الغربي في افغانستان.
ولعل القضية الاخطر المسكوت عنها هي قضية المخدرات، فالاحصاءات الرسمية تقول ان حجم انتاجها تضاعف عشر مرات في الاعوام الاخيرة، بل انها زادت بنسبة خمسين في المئة فقط في العام الماضي رغم رصد ستمئة مليون دولار من قبل الادارة الامريكية لمكافحتها.
وتفيد تقارير امريكية ان حركة طالبان باتت تسيطر علي هذه الظاهرة التي تدر ملايين من الدولارات علي خزائنها تستخدمها في شراء اسلحة وتغطية نفقات حربها ضد القوات الغربية.
ادارة الرئيس بوش، وباختصار شديد، مقدمة علي هزيمتين محققتين، احداهما في العراق، والثانية في افغانستان مع فارق مهم، وهو ان انتصارها في افغانستان كان شبه مؤكد لو انها لم تقدم علي حماقة توسيع الحرب بحيث تشمل العراق.
