جورج بوش بالغارات الانتقامية التي يشنها طيرانه الحربي على الأحياء والبلدات والقرى العراقية بشكل يومي، وهي الغارات التي تستهدف المدنيين حصراً مهما كان الغطاء الذي تلف به.
نعم تباهى بوش في خطابه الإذاعي الأسبوعي الأخير بغارات القتل، واستفز العراقيين بقوله: إننا نحقق نجاحات، وإن عملياتنا لا تزال في بداياتها، مستذكراً فيتنام ودروسها، وزاعماً أن أي انسحاب أميركي سريع سيؤدي إلى حروب طائفية، وإلى قتل جماعي للعراقيين.
بالتأكيد لم يراجع بوش تاريخ حرب فيتنام وتطوراتها جيداً، فالاندحار الأميركي منها أدى إلى التحرر والسيادة والاستقرار، ولم يحدث فيها عمليات انتقامية بالمعنى الحقيقي للكلمة ما خلا عمليات الإعدام التي نفذت ببضعة آلاف من العملاء والجواسيس المعروفين الذين شاركوا أو ساهموا في قتل الفيتناميين، أما أغلبية عملاء الاحتلال فقد أرسلوا إلى معسكرات إصلاح وتثقيف ولفترة محددة.
في العراق الأمر مختلف تماماً من ناحية الاقتتال الأهلي خاصة إذا ما أخذت في الحسبان حقيقة أن الأميركيين هم السبب المباشر لهذا الاقتتال، وهم الذين يؤججونه بوسائل شتى، وبدوافع احتلالية بحتة.
ومع ذلك، وإذا كان لا بدّ من عرض أرقام، فهناك مليون عراقي على الأقل قتلوا من جراء الاحتلال مباشرة أو بسببه، وفق ما تؤكده التقارير والإحصاءات الغربية، وهذا يعني أنه مهما تكن الأحوال ومهما يكن حجم الاقتتال العراقي ـ إذا افترضنا أنه سيحدث بعد الانسحاب ـ فلن تكون النتائج كما هي مع وجود الاحتلال، وستكون هناك بالتأكيد مسارعة عراقية إلى المصالحة الشاملة التي من شأنها تعزيز التحرر والسيادة والاستقرار الأمني.
ما لم يقله بوش هو أن ما يعانيه العراقيون الآن من تناحر وأعمال إرهابية ليس بسبب خلل في بنية الشعب العراقي وإنما هو نتيجة الاحتلال وممارساته على الأرض العراقية منذ اليوم الأول للاحتلال، والكل يذكر في هذا السياق إجراءات وقرارات بول بريمر التقسيمية والطائفية، هذه القرارات التي مهّدت لما يشهده العراق الآن من نزف بشري واقتصادي.
وبوش يبني الآن في استراتيجيته العراقية، ومن ضمنها الغارات الانتقامية، على ما أسسه بريمر، ولا يضع في حسبانه سوى ترتيب أوضاع العراق بما يؤدي إلى إدامة الاحتلال حتى لو كان ذلك على أنقاض العراق وعلى جثث العراقيين، ولكن كل شيء تحت وفوق الأرض العراقية يؤكد أن ما يدور في رأس بوش ليس أكثر من حلم، فالاندحار الأميركي واقع لا محالة، وهنا المقارنة بدرس سايغون ممكنة، وحصراً لجهة الهزيمة الأميركية.
