في مثل هذا اليوم من شهر شعبان كانت لنا مواقف وذكريات باقية في الأذهان، كلما تذكرناها عشنا من جديد فرحتها، وكأنها كانت بالأمس القريب.
كنا صغارا والمجتمع كان بسيطا نوعا ما، بمجرد دخول شهر شعبان يظل الأهل يعدون أيامه ولياليه بانتظار حلول الشهر الكريم. وبالطبع فإن لليلة الرابع عشر من شعبان شأناً كبيراً ومكانة عظيمة تكون لها احتفالية خاصة يبدأها الصغار في الفرجان، حيث يدقون الأبواب المفتوحة طلباً ل«حق الليلة» التي استعدت لها الأسر وابتاعت من أجل الصغار ما يتوفر في أسواقها من صنوف الحلوى وأشكال المكسرات وأحيانا المشروبات المحلية.
كنا نستعد مثل الكبار والفضول يكاد يفتك بنا لفتح أكياس «حق الليلة» وتذوق ما فيها قبل الموعد المحدد لذلك، والذي يكون بعيد صلاة العصر، فنهب وقد ارتدينا ملابسنا الجديدة التي أعدت خصيصا لهذه المناسبة ووضعنا «خرايط» القماش في رقابنا، ونخرج في جماعات كبيرة من البنات والصبيان، ندور ونلف على الفرجان حتى نجد أنفسنا مع حلول الظلام وقد ابتعدنا عن الفريج كثيرا، ونال منا التعب والإرهاق فلا نكاد نصل البيت، اغتسلنا أم لم نغتسل، حتى ندخل في سبات عميق وتبدأ رحلة أخرى مع «البيذام واليوز والميز والنقل والبرميت» لا تتوقف إلا بالقضاء على كل ما في الأكياس.
ذكريات جميلة نحاول قدر الإمكان أن نعايش صغارنا فيها، لكن هيهات أن نتمكن من نقل روح ذلك الزمن إلى أيامنا هذه فيحياها الصغار بأروع تفاصيلها وكل ما تخللتها من حوادث ربما كانت صعبة في يومها لكنها أصبحت من طرائف هذا اليوم التي لم تنسنا الأيام نكهتها، ولم تتمكن حياتنا الحاضرة بما فيها من رخاء ورفاهية وما طرأ عليها من تعقيدات من أن تمر تلك المناسبة من دون أن نتوقف عندها، ونسترجع مع الأصدقاء والأحبة ما كان لنا وما كان منا فيها.
«حق الليلة» موروث شعبي وديني قريب إلى النفس، من عاش قديمه ربما كان إحساسه به يختلف عما نحاول غرسه في جيل لم يكتب له أن يعيشه سوى في شكله الجديد مغلفا بورق «السلوفان» وشتان ما بين الأصل والاستنساخ.
فالجديد ربما كان أنيقا في خارجه، يقدم في صور مختلفة مزينا بكل جميل، لكن تبقى خرائطنا القماشية وخروجنا «حفاة» إلى الفرجان والأحياء السكنية، تسبقنا أصواتنا التي كنا نملأ بها الأرجاء، وشقاوتنا أحيانا في إزعاج الآخرين برمي الأبواب المغلقة بالحجارة أو وضع الأيدي على زر الأجراس ثم الجري خشية العقاب، أو التعرض لكلب شرس في الفريج أو إزعاج «تيس» ضخم يهابه الرجال ونقترب من قرونه فننال منه علقة ساخنة، برفع الفضولي إلى الأعلى ثم يلقي به ليرتطم بالأرض، وسط حركة جبن نقوم بها تاركين المضروب يواجه مصيره وحده مع التيس أبو القرون، يبقى كل ذلك محفورا في الذاكرة نضحك من الأعماق كلما تذكرناها.
