في سابقة هي الأولى له وعلى عكس كافة التحليلات السياسية والتقديرات العسكرية للقادة الأميركيين، قارن الرئيس «بوش» بين الورطة الأميركية في العراق التي تواجه فيها القوات الأميركية شبح الهزيمة والورطة الأميركية في فيتنام التي واجهت فيها الهزيمة المريرة، وقال: إن الدرس الفيتنامي يدعونا للاستمرار في العراق وليس الانسحاب، وأن المطلوب الآن هو «الصبر»، لأنه كما يتصور - لو أن الأميركيين صبروا في فيتنام ولم يسارعوا بالانسحاب لتحقق لهم النصر!.
وقد خرجت الصحف الأميركية والبريطانية بالتعليقات الساخرة، وباتهامه بتزوير التاريخ، وبعدم القراءة الصحيحة للموقف العسكري الأميركي في فيتنام وفي العراق.
وعندما ازداد التورط الأميركي في المستنقع العراقي بلا أمل، وكلما واجهت قوات الغزو في العراق الفشل تلو الفشل، وأنزلت بها المقاومة المزيد من الخسائر، وكلما ابتعدت أميركا عن النصر واقتربت من الهزيمة، كان العسكريون والسياسيون يقارنون بين ما جرى لأميركا في فيتنام وما يجري لها في العراق، وكلما أمعن البيت الأبيض في الإصرار على عدم الانسحاب رغم الهزيمة التي تلوح في الأفق حذر المراقبون والكتاب الأميركيون مما أسموه «سايجون أخرى».
في إشارة لتلك الساعة السوداء في «المنطقة الخضراء» الأميركية في العاصمة الفيتنامية الجنوبية «سايجون»، حين هبط رجال المقاومة الفيتنامية من طائرة هيلكوبتر فوق سطح السفارة الأميركية وأنزلوا العلم الأميركي ورفعوا علم «الفييت كونج» على ساريتها عام 1968.
هذا المشهد الذي استغرق الاستيلاء فيه على السفارة ساعة تقريباً في أكثر المشاهد العسكرية جرأة وأكثر الساعات إثارة في حرب فيتنام، كان بالنسبة للغرور العسكري الأميركي هو ساعة الحقيقة، وساعة الهزيمة التي اضطرت واشنطن على أثرها إلى بدء الانسحاب الأميركي من فيتنام.
والخوف من «سايجون أخرى» بات هو الهاجس المسيطر على القادة الميدانيين الذين يدعون بوش إلى المسارعة بالانسحاب التدريجي من العراق، فالقائد العسكري الذكي هو الذي يعرف متى يستخدم القوة ومتى يلوح بها ومتى يتقدم ومتى يتوقف ومتى يقرر الانسحاب، والقائد السياسي الذكي هو الذي يعرف أن استخدامه للقوة هو إعلان لفشله السياسي، وان الإسراف في استخدام كل القوة هو إعلان بالإفلاس الأخلاقي ودليل على الإسراف في الحماقة.
فالقوة دائماً لا تحل المشكلات بل تزيدها مرارة وتعقيداً، والسياسة دائماً يمكن في الأزمات أن تكون بديلا عن القوة، لكن القوة أبداً لا يمكن أن تكون بديلاً عن السياسة.
وفي أعقاب كل حرب، بل في أثناء أي حرب لا بد من التعامل السياسي سواء لوقف الحرب أو لتحقيق الانسحاب أو للوصول إلى نوع من الاتفاق يضمن عدم تجدد أسباب اشتعالها، لكن استخدام بوش للقوة العسكرية في حل الأزمات السياسية ولجوئه إلى الإسراف في استخدامها كلما واجه الفشل الميداني، يزيد الأزمات السياسية تأزماً بالمزيد من الخطط العسكرية، وبزيادة عدد القوات وعتادها، وبالإصرار على المكابرة بعدم الانسحاب وعدم الاعتراف بالفشل.
وبالرغم من أنه رئيس سياسي وليس جنرالاً عسكرياً، وبالرغم من أنه «بوش» وليس «أيزنهاور» الجنرال الرئيسي، إلا أن أميركا لم تشهد رئيساً يعتمد على الوسائل العسكرية في حل المشاكل السياسية بهذا العناد المكابر .
وبكل هذا الذكاء النادر برغم الفشل السياسي والعسكري الظاهر، لكن الآذان الصماء في البيت الأبيض، والتقديرات العمياء بغطرسة القوة في «البنتاجون» التي اعتمدت فقط على القاذفات العملاقة «بي 52» وغاراتها اليومية لتدمير «هانوي» في فيتنام وعلى صواريخ «الكروز والتوماهوك» والمقاتلات الجبارة لضرب « بغداد » بسيطرة جوية هائلة وبقوة تدميرية رهيبة، لم تدرك أن المعارك لا تحسم نتائجها النهائية بالسيطرة على الجو ولكن على الأرض.
وبينما تبدو تقارير المخابرات العسكرية متشائمة، وتحذر من «درس بغداد» الذي ربما سيبدو أكثر إثارة من «درس سايجون»، يبدو «بوش» القائد السياسي وليس الجنرال بإصراره على زيادة عدد القوات وإطالة أمد البقاء في المستنقع العراقي أشبه بمن وقع في حفرة وبدلاً من التعلق بحبال السياسة والشجاعة للخروج منها، إذا هو يواصل الحفر للهبوط فيها أكثر، وكلما يزداد تورطاً يصر على مواصلة الحفر من جديد فيما تبدو أنها حفرة بلا قرار.