لا يمكن أن يكون اقتصاد بلداننا مرتبط بالاقتصاد الأميركي بشكل عضوي وفي نفس الوقت في منأى عن تأثيرات التطورات الخطيرة الجارية فيه الآن. وكل ما ترسله دور الخبرة وبيوت المال الأجنبية من رسائل التطمين في هذا الصدد لا يجب أن تؤخذ بغير الحذر الشديد. ولنقترب أكثر مما نعنيه.

فبينما العالم كله قلق من أزمة سوق الائتمان العقاري في الولايات المتحدة الذي أصبح يهدد الاقتصاد الأميركي بأزمة حقيقية تنعكس أزمة على الاقتصاد العالمي برمته قالت وكالة ستاندرد أند بورز (S&P) للتصنيف الائتماني أن المصارف الخليجية ليست معرضة «بدرجة تذكر» لأن تشهد تراجعا في تصنيفها الائتماني بسبب هذه الأزمة.

ولكي لا نحكم من عندياتنا على مثل هذا الإدعاء نعود إلى خمسة أيام قبله لما أوردته الفايننشال تايمز اللندنية من أن المفوضية الأوروبية ستباشر التحقيق في طرق عمل الوكالات الدولية الريادية للتصنيف التي تقدم نصائحها بشأن درجة مخاطر الاستثمار في أسهم مختلف الشركات والأوراق المالية الأخرى.

وحسب معطيات الصحيفة فإن قيادة الاتحاد الأوروبي غير راضية عن رد الفعل «البطيء» من قبل هذه المؤسسات التحليلية على أزمة سوق الإقراض العقاري الأميركي. فوكالات تصنيف دولية مثل Moody's وStandardand Poor's أشعرت عالم المال بهذه المخاطر في هذا الربيع فقط، في الوقت الذي كانت المصارف قد تحدثت عن احتمال خطر العجز منذ نهاية العام الماضي.

على أن المشكلة ليست مجرد علاقة بسيطة ومحصورة بين قطاعي العقار الأميركي والخليجي فقط، بل مركبة وتمتد إلى بقية القطاعات أيضا. وهذا ما حذر الاقتصاديون الأوروبيون من انعكاساته على بلدانهم، كالاقتصادي الاستراتيجي لمؤسسة Credit Suisse شينيتشي إيتشيكافا الذي حذر من أن ما يجري في الأسواق يحدث على خلفية عدم الوضوح فيما يتعلق بتأثير الأزمة على أرباح الشركات وعلى الاقتصاد الإقليمي. عدا ذلك فإن ضعف الدولار واليورو يزيدان من القلق».

ويؤكد الاختصاصيون بأن الوضع مع قروض subprime لا يعتبر مشكلة لهذا القطاع فقط، بل ويمس مختلف المنتجات المالية المتداخلة، وأن حجم الخسائر المحتملة، إلى جانب تفاصيل أخرى لا تزال غير واضحة حتى اللحظة، ولذلك فإن كثيرا من المستثمرين يشعرون بعدم الارتياح.

يأخذنا ستيفين راوتش، أحد أكبر محللي وول ستريت في مقالته الشهيرة حول واقع الحال في الاقتصاد العالمي إلى الجذر الحقيقي لمختلف الظواهر غير الصحية في الاقتصاد العالمي.

فالتوجهات الحمائية في واشنطن وفقاعات المضاربات على رؤوس الأموال في أسواق الصين وغرق الشرق الأوسط في أوراق الدولارات كلها ظواهر تعكس أوراما خبيثة لخلل واحد أوحد، هو النقص الكارثي للمدخرات في الولايات المتحدة الأميركية. وأن كل دول العالم قد خرت من على أرجلها وهي تبحث في كيفية إزالة آثار « موجة الصدمة» الناتجة عن هذه المشكلة.

ولا يستثني راوتش أن تخون نهاية اللعبة المتصدين لحلها. فلم يسبق للولايات المتحدة أن واجهت عجزا في المدخرات بمثل هذه الجدية. وفي الفترة ما بين عامي 2004 - 2006 كان صافي معدل الادخار الوطني ـ أي مدخرات الأشخاص والمؤسسات وقطاع الدولة ـ في الولايات المتحدة، معدلة على أساس احتساب التآكل (الناجم عن التضخم) شكلت ما مقداره 1% فقط من إجمالي الدخل الوطني.

أصل الأزمة هو فرط الاستهلاك الأميركي، والذي لا يدع مجالا للدول التصديرية سوى تمويل نقص الادخار في الولايات المتحدة. لذلك فإن نقاد الاقتصاد الأميركي يحملون استراتيجيي هذا الاقتصاد المسؤولية وليس الصين أو دول الخليج التي يكرر صندوق النقد الدولي في الفترة الأخيرة مطالبته لها بالتحرك لعلاج الأزمة. بل أن راوتش في مقالته تلك يرى أن المشكلة انصبت في الشرق الأوسط في مخاطر تركز فوائض الدولارات.

وفي ظروف ارتفاع أسعار النفط كلما اعتمدت الولايات أكثر على القروض الخارجية التي تمول نقص مدخراتها الداخلية كلما نشطت بلدان الخليج أكثر في سد هذه الفراغات. وبذلك فإن بلدان الخليج إنما تعظم مخاطر فيض تركز الدولارات. ويحذر من أن مثل هذا المنطلق يجب ألا يرضي المسؤولين عن استثمار هذه الفوائض في أصول في الشرق الأوسط نفسه. بل أن دولنا يجب أن تقلق قبل كل شيء من انخفاض الدولار.

حيث أصبح هذا الانخفاض يتخذ طابعا مزمنا، ويعتبر بمثابة أثر حتمي للتصحيحات المؤلمة والمستمرة منذ وقت طويل لعجز الحساب الجاري الأميركي. إنه كلما استمرت الولايات المتحدة مدة أطول في قمع المدخرات الداخلية كلما زادت مخاطر اصطدام بلدان الخليج بالمشاكل. وفي يوم ما قد يشكل قرار الكويت بالتخلي عن الارتباط بالدولار الأميركي الخطوة الأولى على طريق التخلص من مثل هذه المخاطر ، رغم النفي الخليجي المتكرر لهذا الاحتمال.

ورغم كل إشارات التطمين التي تبعث بها المؤسسات التصنيف الائتماني الدولية، ورغم الارتفاع الذي شهدته أسواق السعودية وقطر والبحرين والكويت على التوالي في الأسبوع الماضي، إلا أن أسواق عمان والإمارات شهدت تراجعا ملحوظا، إذ خسرت أسواق دبي نحو 2 ,1% من قيمتها. ويرى معظم المحللين أن أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة التي هزت أسواق المال العالمية إجمالا هي التي عصفت بأسواق الإمارات بالدرجة الأولى، إضافة إلى أسباب محلية أخرى.

اقتصاديو العالم ينصتون عادة عندما يتحدث اقتصادي كجوزيف إي. ستيجليتس. وفي مقالته «ساعة الحساب لأميركا» التي كتبها في منتصف هذا الشهر قال بأن المتشائمين الذين طالما تنبأوا بأن مصاعب جدية تنتظر الاقتصاد الأميركي بدأوا يحصلون على الاعتراف بهم الآن. فكل آثار هبوط أسعار الأسهم بنتيجة تزايد حالات عدم القدرة على سداد القروض العقارية كانت قابلة للتنبؤ، بالضبط كما بالنسبة للآثار الممكنة على ملايين الأميركيين الذين أصبحوا يواجهون مشاكلهم المالية، وكذلك على الاقتصاد العالمي.

ولعل ستيجليتس أثبت في مقالته من جديد ما كرره هو واقتصاديون آخرون من أن « فقاعة صابون الممتلكات غير المنقولة كشفت أن الأميركيين يعيشون بما يفوق أموالهم» .

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com