المجتمع الخليجي والذي مر بطفرة اقتصادية خلفت ثروات اجتماعية كبيرة كان لها الأثر الكبير على التركيبة السكانية والقيم الاجتماعية وهذا ما عكسته الكثير من النتائج التي نراها اليوم في بيئتنا الاجتماعية، وقد حاولت مجتهدا في مقالي الأسبوع الماضي في هذه الصحيفة تفسير تلك الآثار على الفرد والمجتمع معا. هناك جوانب كثيرة في هذا الموضوع يمكن الحديث عنها ولكن العلاقة التي نشأت بين القيم الاقتصادية الجديدة والقيم الدينية التقليدية تحتاج أيضا إلى نقاش آخر وهذا هو موضوع هذا المقال.
عندما دخل المجتمع الخليجي إلى مرحلة الطفرة كانت القيم الدينية تسيطر وبشكل كبير على المساحة الاجتماعية بل وتمارس دورا تلقائيا في تحديد مسارات المجتمع وهذا ما يعكسه تاريخ الكثير من الدول الخليجية وعلاقاتها بمجتمعاتها، سيطرة القيم الدينية لا يقصد بها التزام الفرد الخليجي مهما كان مذهبه بتعاليم دينه فهذه الصورة مازالت باقية وسوف تظل لكون المجتمعات مسلمة .
ولن تتخلى عن ذلك، ما اقصده بسيطرة القيم الدينية في تلك المراحل هو احتكار تلك القيم تفسير الحياة الاجتماعية من أولها إلى آخرها من خلال منهج موحد. التغيرات الاقتصادية الجديدة جاءت وهي تحمل معها قيما مختلفة يصعب إخضاعها للواقع القيمي في المجتمع وهذا هو السبب الذي ابحث خلفه في محاولة تفسير تلك العلاقة بين القيم الاقتصادية والقيم الدينية في المجتمعات الخليجية.
مع الطفرة الاقتصادية وارتفاع معدلات الثراء حلت بدائل اقتصادية ساهمت في بناء نماذج جديدة من القيم الاجتماعية وخاصة أن ملاك الثروات من أفراد المجتمع يسعون إلى مضاعفة أرقامها وفق قيم اقتصادية مستورده تخضع لمعايير تجارية وقوانين عالمية تتخطى الواقع الاجتماعي لتلك المجتمعات بل قد تتعارض مع الكثير من القيم السائدة سلفا، والنظام الرأسمالي حل بقيمه في المنظومة الاقتصادية في مجتمعاتنا الخليجية وهذا نتيجة طبيعية للتطور الاقتصادي الناجم عن اكتشاف سلعة البترول وارتفاع عائداتها، لهذا السبب كان لابد من إحلال المنظومة الاقتصادية الرأسمالية في تلك المجتمعات بغض النظر عن الكيفية التي سوف ترسم فيها العلاقات بين القيم القديمة والجديدة.
في نفس الفكرة تقريبا ناقش عالم الاجتماع ماكس فيبر القضية ولكن بمنظور مختلف فهو يؤكد أن ظهور التغيرات في المجتمعات الحديثة خلقت نوعا من التحول عن المعتقدات السابقة وأصبحت تلك المجتمعات أكثر ميلا إلى تبني أساليب التفكير العقلاني والترشيد والحساب التي تأخذ بالاعتبار معايير الكفاءة وتوقعات المستقبل.
بهذه الأفكار استطاع فيبر أن يلقي الضوء على قضية التحولات الاجتماعية وهو يناقش التحولات التي حلت بالمجتمعات الغربية مع ظهور الصناعة وتغيير المفاهيم وانتشار العقلانية والترشيد.
لن ألجأ إلى تطبيق أفكار «فيبر» أو مناقشتها على سبيل التماثل فما يتحدث فيه هو تفسير منهجي لفترة بزوغ الحضارة الغربية وصعود نجمها وهذا لا ينطبق بالتأكيد على قضية مثل علاقة الاقتصادي بالديني في المجتمعات الخليجية والسبب في ذلك أن تحولاتنا الخليجية ليست حضارية وإنما تحولات سببها عامل يرجح انه مؤقت ألا وهو الثروة.
السؤال الذي اطرحه هنا هل استطاعت المجتمعات الخليجية أن تنتج نموذجا للتوافق الاقتصادي الديني بين أفرادها في ظل منظومة اقتصادية رأسمالية في مقابل تقاليد دينية ترى عدم كفاءة الحضارة الغربية لقيادتها اجتماعيا؟
هذا أحد الأسئلة أما السؤال الثاني فيقول هل فرضت القيم الاقتصادية الرأسمالية نفسها وأجبرت القيم السائدة على القبول بها؟، أما السؤال الأخطر في نظري هل صمت الاثنان عن بعضهما ولعبت المصالح السياسية والفردية دورا في هذا الصمت وسمح بنقد المعطيات الحضارية الغربية باستثناء قيم الاقتصاد القادمة منها.
الحقيقة أن علاقة الديني بالاقتصادي في المجتمع الخليجي لعبت فيها المصلحة الشخصية للأفراد دورا بارزا في تشكيلها ورسم أنماطها، فمثلا استطاعت القيم الدينية التي تتعارض مع النموذج الرأسمالي الغربي أن تخلق منطقة حرة يمارس فيها كل طرف مهامه على حدة، ووجدت الحركة المالية المتمثلة بالبنوك في معظم الوطن الخليجي .
وهي تمارس مهامها المالية وتمنح القروض بطريقة لا تتغير فيها القيم عن موطنها الأصلي، وبنفس الوقت ظل المجتمع بقيمه الدينية يكرس نوعا من التوعية الدينية ضد ممارسات هذه البنوك المالية وخاصة ما يرتبط بالفوائد على القروض وغيرها، ومع هذا الاعتراض لم يطالب المجتمع بانتزاع هذه البنوك كعنصر اقتصادي اقتضته آثار الطفرة.
ومع أن المطالبة بأنظمة اقتصادية سميت فيما بعد إسلامية أو (أسلمة الاقتصاد) كانت قائمة إلا أن القيم الرأسمالية القادمة من الغرب لم تتغير وظلت تمارس دورها الاقتصادي بشكل كبير، في الغرب وصف فيبر الطريقة التي اكتسح فيها التيار العلمي تيارات التعاطف الوجداني بمصطلح أطلق عليه (إبطال السحر)، منظور فيبر يمكن أن نستثمره في تفسير حالة التحول التي تمر بها مجتمعاتنا ولكن في هذه المرة يجب أن نعيد التساؤل الذي يقول كيف بطل السحر بين القيم الدينية التي تبدو متزمتة ضد كل ماهو رأسمالي وبين القيم الاقتصادية الحديثة التي حلت في المجتمع؟.
لقد أشرت سابقا إلى أن تحليل فيبر لظاهرة التفكير العقلاني والترشيد ارتبطت بمرحلة تحول حضاري ولكن ومرة أخرى القضية في مجتمعاتنا الخليجية لا ترقي إلى أن يوصف تحولها الاقتصادي بأنه تحول حضاري، وهذا يقودنا إلى توقع محتمل فمن الواضح من خلال قراءة اقتصادية للمجتمعات الخليجية أنها استطاعت عبر التحول الاقتصادي والآثار التي أحدثتها الثروة أن تتستر على قيم اقتصادية مخالفة كان ينظر إليها في السابق على أنها تدخل في المحظورات، هذا التستر لا يعبر عن ثورة على تلك القيم السابقة.
ولكنه يعبر عن عجز علمي وعملي للحالة الحضارية العالمية والجدية في تكييفها مع الواقع الاجتماعي بإعادة قراءة للقيم الدينية من جديد. بمعني أدق لقد حدث اتفاق بين القيم الاقتصادية والقيم الدينية على تنظيم عملية تكييف للقيم المتعارضة بين الاثنين، ساهم في ذلك قوة المصالح الفردية والمصالح الاجتماعية التي فرضت هذا الواقع.
الحقيقية أن القيم الاقتصادية الجديدة والتي حلت على المجتمعات الخليجية تعارضت أولا وفي بداية استجلابها مع القيم الدينية ثم انقلبت الموازين ونشأ نوع من التكيف بينهما لم نستطع تفسيره بشكل دقيق. هذا التوافق إما انه يعكس قدرة القيم الدينية على استيعاب الجديد تلقائيا واستيعاب الحضارة بمقوماتها أو انه يعكس صمتا فكريا يفترض أن تلك الحالة الاقتصادية مؤقتة ولن تمتد تأثيراتها إلا على الفئات المستفيدة.
المجتمع الخليجي بدا واضحا انه خلال العقد الماضي تأثر بتلك النتائج التي تركتها الثروة على تركيبته الاقتصادية والاجتماعية، الثروة كرست تشكيلة من التباين الاجتماعي وخلقت نمطا من البناء الاجتماعي الذي تجاوز معايير القيم الاجتماعية الماضية.
اخطر ما في البنية الاقتصادية الخليجية أنها تستبعد المجتمع وأفراده من المشاركة في تطويرها فقد اعتمد البناء الاقتصادي في دول الخليج على مقومات مستوردة ولم يحاول تكييفها على المستوى البشري أو حتى على المستوى العلمي، العمالة مستوردة وهي تنافس المواطن الخليجي، الفرص المتاحة للاستثمار الخارجي ليست مكتملة العناصر بسبب أن القاعدة الاقتصادية القائمة في دول الخليج تحويلية فالاقتصاد العلمي يعتبر منطقة الخليج محطة مالية تختصر عليه المسافة مع الجزء الشرقي من العالم.
الجزء الأهم غموض العلاقة بين القيم الدينية والاقتصادية مما جعل إمكانية وجود قيم فوضوية تحكم الطرفين ممكنة بل نشوء القيم الغير مقننة وهذا يفسر بعضا من أساليب الثراء التي اجتاحت المنطقة.
كاتب سعودي