لا شك بأن أخطر ما تواجهه حكومات بعض الدول في وسط أوروبا، وتحديدا في تشيكيا وبولندا، هو أزمة الثقة التي تعتري علاقتها مع الرأي العام المحلي في وقت تبدو فيه في الوقت الحاضر، وفي ظل أزماتها السياسية التي تتخبط بها بين وقت وآخر، بأمسّ الحاجة لأن يسود سلام تام في تلك العلاقة.

وأزمة الثقة تلك نابعة من مسألة خطيرة باتت تثقل كاهل المواطن البسيط وتعيده إلى حيث لا يرغب، أي إلى مجاهل التوتر البارد الذي قد يتحول ذات يوم إلى حار جدا، وذلك انطلاقا من موضوع الدرع الصاروخي الواقي الذي ترغب الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من الحكومات الناشئة في أوروبا الوسطى، بفرضه فرضا في تلك المنطقة.

وقد يبدو مصطلح «الفرض» المستخدم هنا قويا أو ظالما لمن يعتبرون أنفسهم مناصرين للولايات المتحدة، باعتبار أن الدول التي نتحدث عنها هي حرّة وذات سيادة وإن كانت تجربتها الديمقراطية لا تزال فتية جدا. لكنه يكون واقعيا جدا إذا أخذنا بعين الاعتبار جملة من الأمور التي توضح مواقف المعنيين بهذا الدرع الصاروخية، أي شعوب المنطقة تحديدا التي ستضطر للتعايش مع واقع جديد ومختلف كليا عمّا كانت تألف.

هذا الواقع قد يكون متوترا في أحسن الأحوال لكن دون أن يكون بالضرورة متفجرا - على الأقل في ظل المعطيات الدولية الحالية - حيث أن روسيا التي تسعى بوضوح لإعادة الاعتبار لنفسها كقوة عظمى لا يجب الاستهانة بحساباتها الإقليمية والدولية، بدأت تستخدم لغة التهديد والوعيد تدريجيا، وبدأت تحذّر حلفائها السابقين من مغبة تعميق الهوة القائمة بينهما حاليا.

أما الدول المعنية بهذه الأزمة والتي كانت تسمّى سابقا بالدول الشرقية بحكم وجودها قسرا أو طوعا لا فرق في المنظومة الاشتراكية المندثرة، فتصر من جهتها على حفر تلك الهوة وتعميقها قدر الإمكان، انطلاقا من حلمها الاستراتيجي بالتكامل نهائيا مع الغرب الذي تدّعي بأنها كانت جزءا لا يتجزأ منه لولا الثورة البلشفية التي اجتاحت شعوب المنطقة بأكملها مثل موجة تسونامي.

هذا على المستوى الرسمي. أما على الصعيد الشعبي فإن استطلاعات الرأي العام جميعها تشير بما لا يدع مجالا للشك بأن أكثر من خمسة وستين بالمئة من الشعب في تشيكيا على سبيل المثال يرفض بشكل قاطع إقامة قاعدة أميركية يُنصب فوقها رادار للرصد. ويواجه المعنيون بهذا الملف صعوبات جمّة ليس في إقناع الشعب بالضرورات التي تحتم وجود هذه القاعدة «الصديقة» فحسب، بل في إقناعهم بمجرد الاستماع إلى المسؤول المحاضر الذي تكبد عناء السفر للاجتماع بهم انطلاقا من سياسة الشفافية والتواصل مع المواطنين التي تسعى الحكومة لممارستها.

وإذا كان تعاطي الرأي العام يتسم بهذه السلبية التامة حيال قاعدة من المفترض، حسب ما تؤكده الرواية الرسمية، أن لا تحتوي إلا رادارا «عاديا»، فماذا كان سيحدث لو تجرأ المسؤولون في تشيكيا لمساومة مواطنيهم على قاعدة تضم صواريخ قصيرة أو متوسطة أو بعيدة المدى؟

مؤخرا منح المواطنون في وسط تشيكيا أحد هؤلاء المسؤولين هدية تعكس حقيقة مشاعرهم حيال ما يجري، حيث ألقوا عليه البيض النيئ عندما كان يحاول تفسير الأسباب التي دعت الحكومة لاختيار منطقتهم بالتحديد لبناء قاعدة الرادار فوقها.

وقبل أيام قليلة أعلن رؤساء بلديات القرى والبلدات التي فُرض عليها القرار الصعب «لاستضافة» الرادار الأميركي، بأنهم سيقاطعون جميع النشاطات التي يسعى لتنظيمها في منطقتهم المفوض الحكومي توماش كلفانيا المكلّف بإقناع الشعب بجدوى إقامة قاعدة الرادار فوق أراضيهم.

وقد فسر أحد خبراء استطلاع الرأي العام ما يحدث ارتباطا بهذه الأزمة بحالة الانغلاق التي يعيشها المواطنون جرّاء موضوع الرادار الأميركي، بحيث باتوا غير قادرين للاستماع لأي شيء، وبالتالي غير مستعدين للتنازل قيد أنملة عن مواقفهم الرافضة لهذا التحالف العسكري الغريب جدا عن بيئتهم.

الشعب بطبيعة الحال، وخصوصا في هذه المنطقة من العالم التي كانت تشكل ذات يوم الحدود الفاصلة للحرب الباردة، يعي جيدا ما ستعنيه إفرازات الوضع الجيو - سياسي الجديد الذي تسعى حكوماته للتأقلم معها انطلاقا من خيارها الاستراتيجي بأن تكون جزءا من الغرب «الديمقراطي». وهو يعلم حجم التضحيات التي سيضطر لتقديمها في خضم هذه الإفرازات الجديدة، لأنه كان وسيبقى دائما محور الصراع ومحركه ولاجمه أيضا.

من هنا تحديدا تنبع حالة القلق التي تعتري أبناء هذا الشعب الذي لم يعشق الحرب يوما، ويؤكد تاريخه القديم والمعاصر بأنه كان دائما مضطرا وملزما لتحمّل ظروفها ومآسيها. هو يريد أن يعيش بسلام ووئام مع جميع الشعوب، ولا يريد أن يُقحَم في صراعات إيديولوجية من نوع فريد سيضطر مجددا لدفع ثمنها من حسابه الخاص.

هل هي إذا أزمة ثقة بين الشعب والحكومات القائمة حاليا؟ يبدو بأن الأمر هو كذلك بنسبة محددة، باعتبار أن الشعب الذي أوصل هذه الحكومات إلى السلطة شعر بأنه مطعون في ظهره، لأنه لم ولن تتم استشارته في مسألة خطيرة مثل هذه بالرغم من أن الوعود الانتخابية كانت تتحدث عن غير ذلك تماما.

هذا على الأقل ما يعبّر عنه أقطاب الحكم الحالي الذين يؤكدون بين الفينة والأخرى بأن الأمور الحساسة والإستراتيجية لا تُحل عن طريق الاستفتاءات الشعبية، وأن الحكومة المنتَخبة بشكل ديمقراطي هي مخولة من قبل الشعب لاتخاذ الخيارات التي ستقود البلاد إلى بر الأمان- وفق معيارهم الإيديولوجي بالطبع.

انهم يشيرون بكل بساطة إلى عدم قدرة الشعب على اتخاذ خياره الاستراتيجي، في وقت أثبت فيه هذا الشعب أنه قادر على أكثر من ذلك حتى بالوسائل السلمية و(المخملية). فهو الذي تحمّل وناضل، وهو الذي أوصل البلاد في نهاية المطاف إلى بر الأمان الذي ينعم به الجميع حاليا بغض النظر عن الخلافات والانتماءات الإيديولوجية المختلفة.

وإذا أخذنا الأمور انطلاقا من هذه الحقائق، فإننا نتوصل لقناعة مفادها أن المسألة ليست مرتبطة بأي حال بانقسام الرأي العام في تلك الدول بين أحزاب اليمين المؤيدة عادة لما يعرف بالغرب الديمقراطي و«اليسار» الذي لا يزال قسم منه يحلم بعودة المعايير السياسية القديمة التي تقربه من الشرق الروسي.

إنها أزمة ثقة حقيقية تستدعي إيجاد الحلول الناجعة لها، لأن التاريخ العالمي أثبت لنا دائما بأن الكلمة الأخيرة تكون عادة للشعب دون غيره. فهل سيتّعظ المشكّكون؟

كاتب لبناني