فيما يقترب موعد الاستحقاق الرئاسي تبدو الساحة السياسية والحزبية اللبنانية على درجة عالية من الاحتقان والتوتر تنذر بذهاب لبنان الى المجهول والفوضى اذا لم يتم التوافق بين قوى الأكثرية والمعارضة والتوصل الى حلول خلاقة تحول دون استنساخ التجربة المرة التي وقع فيها القطر الشقيق في اواسط سبعينات القرن الماضي والتي احالت لبنان الى حطام ودمرت كل بناه التحتية وراح ضحيتها مئات الآلاف من الضحايا ناهيك عن عشرات الآلاف من المشردين والمهجرين واللاجئين..

لا ينكر احد ان التدخلات الاجنبية الدولية والاقليمية هي أحد بل مصدر الشرور التي عانى منها ويعاني الآن لبنان وشعبه الا ان عاقلا لا يصدق ان تضامن اللبنانيين وتوافقهم على آليات ومقاربات واضحة لا يستطيع هزيمة أو وقف كل أشكال التدخل هذا وخصوصا ان التوافق على تجنيب لبنان وشعبه كارثة محدقة تلوح في الأفق سيشكل سدا منيعا في وجه هذه التدخلات ويضع حدودا فاصلة بين ترك لبنان نهبا لهذه التدخلات وساحة لتصفية الحسابات او تجميع الاوراق لتحسين شروط التفاوض وبين مشروع وطني يعيد اللحمة للصفوف اللبنانية ويؤسس لمرحلة يكون فيها برنامج سياسي وتنموي واضح يمكن لكل فريق منهما الاطمئنان الى أن مشاركته في القرار الوطني مضمونة وقيد التنفيذ ووفق تراض واتفاق محدد يحول دون هيمنة طرف على آخر أو شعور بالغبن لدى طرف آخر..

يدرك اللبنانيون أكثر من غيرهم أن لا أحد في لبنان، حزبا، طائفة أو فريقا قادر على حكم البلاد منفردا وفي شكل يقصي الآخرين أو يهمشهم أو يلغيهم.. كما يدرك قادة الفريقين أن لعبة الاقصاء أو الرغبة بالهيمنة وفرض العزلة على طائفة أو فريق أو حزب ما لن يكتب لها النجاح في ظل التجارب الطازجة والماثلة التي مر بها لبنان والتي دلت في جملة ما دلت على استحالة مثل هذه المساعي غير الديمقراطية وخصوصا سنوات الحرب الاهلية المدمرة التي لم يخرج أحد من الفرقاء منتصرا بل خسر الجميع من أمراء حرب وميليشيات وزعماء طوائف وكان الخاسر الأكبر هو الشعب اللبناني الذي ما يزال يدفع استحقاقات وأكلاف مغامرات أمراء الحرب وأولئك الذين خاضوا حروب الآخرين على أرضه..

الاستحقاق الرئاسي يقترب والوصفة السحرية لتجنيب لبنان مخاطر الانزلاق الى حرب أهلية مدمرة تكمن في اعادة الاعتبار الى القاعدة اللبنانية الذهبية المعروفة لا غالب ولا مغلوب والتي يمكن من خلالها طرح حلول ومقاربات مقبولة على الجميع سواء في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية أم في اختيار رئيس جديد للجمهورية.