وقعت مجلة « ذا نيو ريبابليك» مؤخرا في مشكلة بسبب نشرها مقالا يحمل تجربة شخصية مر بها جندي أميركي استخدم اسما مستعارا، وهو سكوت توماس، داخل العراق، واصفا من وجهة نظره الأهوال الموجودة على الساحة العراقية حالياً، غير أنه تبين سريعا بعد النشر أن إحدى الوقائع التي زعمها المؤلف، الذي هو اسمه الحقيقي سكوت توماس بوشامب.

قد وقعت في الكويت قبل أن تنتقل وحدته للعمل في العراق، غير أنه بعد أن اتجهت، بعد المقالة، إلى التحقق من مصداقية الروايات المريبة التي أوردها بوشامب، وبعد أن أكدت لقرائها أن ما كتبه المؤلف كان دقيقا، لم تحدد الصحيفة المصادر التي لجأت إليها في التحقق مما قاله الجندي، وكانت نتيجة الاحتفاظ بسرية هوية تلك المصادر أن القراء لا يزالون لا يصدقون ما قاله بوشامب.

إن الكتابة من دون الإفصاح عن اسم صاحب المقال قد يكون لها معنى في حالات نادرة مثل غرض حماية المصادر الصحافية الأمينة من تعرضها للأذى أو للعقاب. ولكن ما حدث مؤخرا هو أن هذا الأمر يجري إساءة استخدامه في سياقات متعددة مختلفة من أجل تدمير الأشخاص والمؤسسات ويجري استخدامه أيضا كوسيلة يستغلها التافهون من المؤلفين من أجل تجنب تحمل المسؤولية عما يكتبونه.

ومن فترة ليست بالطويلة، نشر عميل في «سي آى إيه» مقالا من دون اسم ينتقد فيه بشدة سياسة إدارة بوش في مكافحة الإرهاب. وفي النهاية تبين أن هذا الشخص كان مايكل شوير، وبمجرد أن تم الإفصاح عن اسم شوير أضحى بإمكان كل مواطن في العالم أن يتحقق مما كان يكتبه في مناسبات سابقة.

لم يُعجب الناس بشكل خاص بتأكيدات شوير في مقابلات له سابقة قال فيها إن أسامة بن لادن لا يجب نعته بالإرهابي، وأن متحف المحرقة في واشنطن يستخدم من أجل دفع الأميركيين إلى الشعور بالذنب حيال مع ما حدث في واقعة الهولوكوست.

بعض الصحافيين أيضا يلجأون إلى كتابة مقالات وتحقيقات يستخدمون فيها مصادر لا يفصحون عن هوياتها، مثل الكاتب الصحافي مايكل إيسيكون الذي كتب قصة في 2005 لمجلة نيوزويك عن قيام حراس معتقل جوانتانامو بإلقاء المصاحف في الحمامات، ووصف إيسيكون مصادره بأنها « عليمة، قريبة الصلة».

وبعد ذلك تبين أن ما قاله يجافي الحقيقة، غير أن ذلك الأمر قد اُكتشف بعد أن تسببت مقالته في وقوع أحداث شغب في مناطق عديدة في العالم الإسلامي جراء ما حملته كتابته من وقائع تمس الدين الإسلامي، إلى جانب ما تسببت فيه المقالة من ضرر لمكانة الجيش الأميركي في العالم في وقت حرب. وعلى الرغم من ذلك كله لم يفصح الصحافي عن اسم المصدر الذي استقى منه أخباره ولم يفسر لماذا لجأ إلى كتابة موضوع خطير كهذا من دون أن يكون مستندا إلى مصدر قوي.

عندما يتجنب كاتب مثل سكوت توماس أو مايكل شوير استخدام اسمه أو أن يرفض صحافي ذكر اسم المصدر الذي استقى من الأخبار، غالبا ما يكون هناك سبب وجيه للشك فيما يقوله:

فمن الواضح أن مثل هؤلاء لا يريدون الرد على الأسئلة المتعلقة بسبب وكيفية كتابة المقالات أو التحقيقات التي يتناولونها، فالامتناع عن ذكر الاسم يعطي لهم حرية مطلقة للحكم على الأشياء مثل الحرية التي يمتلكها القاضي في استجواب الشاهد والحكم على المتهم. وهذا الأسلوب الذي يقوم على مبدأ أن يثق القارئ في الكاتب بشكل أعمى يتنافى مع الركن الأساسي الذي تقوم عليه التقاليد الأميركية الخاصة بإعطاء المتهم حق مواجهة من يوجهون التهمة له.

في بعض الأحيان تكون نتيجة هذا الاستخدام السيئ لهذا النوع من الكتابة في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة هو حدوث ضرر دائم لا ينتهي على الكاتب، هو أخطر في تأثيره مما كان سيحدث لو أقدم على خيار مواجهة الآخرين بكشفه عن اسمه أو مصادره. بوشامب الآن تحول إلى راوي حكايات سيئ السمعة.

وفقدت « ذا نيو ريبابليك» مصداقيتها التي كانت قد استعادتها بعد أن تعرضت لموقف محرج بعد نشر قصص مزيفة لستيفن جلاس، ذلك الصحافي الكذاب الذي كان أيضا يستخدم مصادر مجهولة، أما شوير فيبدو سخيفا في كل مرة يظهر فيها في مقابلة إعلامية واهتزت ثقة القارئ فيما يكتبه.

إن الكتابة بصيغة المجهول أو رفض الإفصاح عن أسماء المصادر هي وسيلة شريرة ولكنها في الوقت نفسه بوق يغري الذين لا يفهمون من المستمعين إليه إلى القفز من السفينة بلا داع ومن ثم الغرق بأعداد كبيرة.

خدمة لوس أنجلوس تايمز خاص ل«البيان»