في ظل ما تشهده المنطقة من احتمالات مجهولة ومعلومة بفعل التخبط الأميركي السياسي والعسكري في العراق، ومن تهديدات عسكرية متباينة ضد سوريا ولبنان، وضغوط وحصار واعتداءات على غزة ومحاولات أميركية وإسرائيلية فجة لمنع المصالحة الوطنية الفلسطينية بين فتح وحماس لتكريس القطيعة بين الضفة والقطاع، ودفع للأوضاع في لبنان نحو مزيد من التأزيم القابل للتفجير والسعي المتعمد لإفشال الدور العربي لاحتواء الأزمة..
فإن الإصرار المتعمد على تقسيم الصف العربي وتعلية الجدار العازل بين العرب والعرب، وبين المسلمين والمسلمين، وزرع الفتنة وافتعال المعارك السياسية والإعلامية المؤسفة بين المعتدلين والممانعين خصوصا بين الرياض ودمشق، لابد أن يلقى بآثاره السلبية على كل المحاولات الإيجابية لتقوية الموقف العربي التضامني أو التفاوضي لحل الأزمات الكبرى في المنطقة.
وخصوصاً في الملفات الرئيسية الثلاثة الفلسطينية والعراقية واللبنانية، حيث يبدو واضحا استمرار محاولات تعميق الهوة بين الأطراف العربية من كل مواقع الاصطفاف السياسية، وعرقلة كل الجهود لجسر الهوة بين الأطراف الوطنية أو العربية أو الإقليمية سواء بالوعي أو باللاوعي، أو بما هو مبرر من تباين في الرؤى أو بما هو مدبر ومقرر لهذه المنطقة من مشاريع صهيونية أميركية مشبوهة..
مما يجعل حضور الأطراف العربية لأي مؤتمر إقليمي أو دولي ـ بهذه الصورة المؤسفة ـ سواء بالاقتراح الأميركي حول فلسطين أو بالاقتراح الفرنسي حول لبنان، أو حول العراق بمشاركة الأطراف الإقليمية المعنية كافة وبرعاية الأطراف الدولية الفاعلة كافة هو أشبه بالكارثة. فكيف يمكن مثلا أن يذهب بعض العرب وبعض الفلسطينيين إلى مؤتمر دولي لحل قضية كل العرب بغياب البعض الآخر أو بالقطيعة معه؟!
.. وهل يمكن أن يجري التفاوض بين المحتلين للأرض وبين من لا أراض محتلة لهم دون كل أصحاب الأرض المحتلة أنفسهم؟
وهل يمكن واقعيا أو منطقيا أن ينجح تطبيق اتفاق ما على الأرض لإسرائيل مع فتح دون حماس في فلسطين، أو مع حكومة السنيورة السنية دون الوزراء الشيعة في لبنان، أو مع حكومة المالكي الشيعية الكردية دون الوزراء السنة في العراق، أو مع السعودية صاحبة المبادرة السلامية دون سوريا صاحبة القضية الأصلية للجولان المحتل ؟!.
. ثم ماذا يعني تضخيم وتعميق الخلاف عن سابق إصرار بين الرياض ودمشق بعد زيارة رايس وبعد صفقة السلاح وقبل المؤتمر.. وهل يعني الإعلان عن الصفقة تزامنا مع الإعلان عن المؤتمر تمكين إسرائيل بالسلاح الأكبر من فرض سلامها على العرب، وبالسلاح الأصغر زرع الفتنة بين العرب والعرب ودفع العرب المعتدلين للمواجهة مع العرب الممانعين للسلام الأميركي الإسرائيلي؟!.
و..هل يمكن للعرب الذهاب بهذه المعطيات السلبية إلى مؤتمر الخريف للسلام أو إلى أي مؤتمر إقليمي أو دولي آخر في ظل أحادية الهيمنة الأميركية وفى ظل وصاية أميركا على ملف الصراع العربي الإسرائيلي، وفى ضوء ما أعادت الإدارة الأميركية إعلانه في العام 2007 بضمان أمن إسرائيل والتزامها بتسليحها بما يضمن تفوقها الكمي والنوعي عسكريا على الجيوش العربية مجتمعة، بما يعيد إلى الأذهان «التصريح الثلاثي» الذي أعلنته أميركا وبريطانيا وفرنسا عام 1950 الذي يحظر تزويد المنطقة بالسلاح إلا في إطار سياسة هذه الدول تجاه المنطقة؟
وإذا كان التصريح الثلاثي عام 50 ترتب عليه استمرار التفوق الكمي والنوعي الإسرائيلي، بما ضمن استمرار إسرائيل في احتلال78% من أرض فلسطين بعد حرب عام 48 بالمخالفة للقرار الدولي بتقسيم فلسطين عام 1947، فماذا يا ترى سيترتب على «التصريح الأحادي» الأميركي الجديد هذا العام من ضمانات لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية بعد حرب عام 67 بالمخالفة للقرارات الدولية القاضية بالانسحاب الإسرائيلي.
حيث لا يجوز ضم أراضي الغير بالقوة وبعدم مكافئة المعتدى على عدوانه؟!.و أخيرا هل يمكن للعرب والمسلمين دون إعادة تضامنهم مواجهة هذا التحدي الأميركي الجديد.. وهل هي رسالة أميركية صهيونية جديدة للعرب وللمسلمين في هذا «الشرق الجديد» بالاستسلام التام أو الموت الزؤام؟!
ربما.. ولكن هل يكون افتعال الخلافات وتعميق المواجهات هو استجابة بعض الحكماء المسلمين لهذا التحدي؟.. أم يحسب بعض العقلاء العرب أن هذا هو الرد المطلوب لهذه الرسالة؟.. لا أظن.