تقول إحصاءات المفوضية العليا للاجئين إن هنالك لاجئا أو نازحا بين كل 7 مواطنين عراقيين. وظروف النزيف البشري مازالت قائمة بل تزداد قوة كل يوم. وتقول إحصاءات شهر يوليو إن القتلى قد زاد عددهم على ألف وستمئة مواطن. وتصف النيوزويك العراق بأنه قد عاد أو أعيد إلى ما قبل العصر الصناعي.

والأخطر من ذلك أن العراق يتجه بسرعة نحو هاوية الانتحار الجماعي: سقوط الدولة وتمزق المجتمع، وان المشهد المأساوي العراقي، مشهد التقتيل والتهجير صار مشهدا مألوفا استقر في اللوحة السياسية السوداء في الشرق الأوسط. واشنطن التي تزداد غرقا في الرمال العراقية المتحركة، غير قادرة على اعتماد خيار شمشوم أو الانسحاب الكلي والسريع من العراق ولو أن بعض الأصوات تلوح أحيانا بذلك ..

وبشكل خافت ولكن دون أي قناعة أو مصداقية بسبب التداعيات الخطيرة لانسحاب من هذا النوع على مصالح واشنطن وصورتها ومصداقيتها ليس فقط في العراق أو في الشرق الأوسط بل في العالم، وحتى ألد خصومها يعتبرون أن هذا الخيار غير واقعي ومليء بالمخاطر على مصالح الجميع ولو في أوقات قد تكون متفاوتة وبأشكال مختلفة.

واشنطن غير القادرة أيضا على إحداث تقدم فعلي يؤدي إلى تغيير أساسي في السياق العام للحالة العراقية رغم استراتيجيتها الجديدة التي جاء التقرير التمهيدي التقويمي لها في منتصف الشهر الفائت ليصفها بأنها غير مرضية على المستوى السياسي بانتظار التقرير النهائي الشهر المقبل، واشنطن واقعة بين انسحاب يؤدي إلى الفوضى وانتشار الحرب الأهلية وتعميق الانهيار الكلي وبين الاستمرار في السياسة الجديدة القديمة التي لن تمنع أيضاً ما يجري التحذير منه: واشنطن تجد نفسها كليا عالقة في الفخ العراقي.

في ظل هذا الوضع تأتي دعوة سفيرها في نيويورك وسفيرها السابق في العراق زلماي خليل زاد لدور أكثر نشاطا للأمم المتحدة «للمساعدة في تدويل الجهود لفرض الاستقرار» عبر تعيين موفد خاص وعقد نوع من المنتدى الإقليمي لدول الجوار ومشاركة الأطراف العراقية لإخراج العراق من النفق المظلم الذي دخل فيه.

والجدير بالذكر ان هنري كيسنجر كان قد سبق زلماي زاد في الدعوة لمنتدى متعدد الأطراف على نمط مؤتمر شرم الشيخ «العراقي» كإطار للبحث عن تسوية سياسية تؤدي إلى الانسحاب الأميركي وتسهل حصولها باعتبار أن التسوية السياسية هي وحدها التي تسمح بخروج مشرف للقوات الأميركية.

أسباب عدة أحدثت هذا التغيير الذي يبقي التساؤل قائما حول مداه وفيما إذا كان قد يؤدي ولو بشكل تدريجي إلى قطيعة مع السياسة السابقة المستمرة للولايات المتحدة وما إذا كان يشكل عودة ولو متأخرة ومحدودة وخجولة وصامتة نحو اعتماد مقترحات تقرير بيكر هاملتون.

من أسباب هذا التغير تبلور القناعة بوصول سياسة واشنطن إلى حائط مسدود فيما تزداد تكلفة هذه السياسة كل يوم وأيا كانت التأويلات والتعليلات التي تعطى لتبرير هذا الفشل، ووصول المعارضة الشعبية والسياسية لسياسة الإدارة الأميركية إلى أعلى مستوياتها، وازدياد الحوار حدة بين المحافظين الجدد والمتشددين بقيادة نائب الرئيس ديك تشيني من جهة وجماعة الواقعية الجديدة حول وزارة الخارجية وفي أوساط الحزب الجمهوري والمؤسسة الاستراتيجية من جهة أخرى.

واهتزاز سياسة الأحادية الحادة على مستوى «التنظير» الفكري والسياسي بعد ظهور نتائجها في العراق وغيره وبالطبع تحول العراق إلى عنوان أساسي في معركة الرئاسة الأميركية وازدياد القناعة بأن المعالجات الأمنية المتغيرة ومحاولات التوصل إلى تفاهمات أمنية مع إيران عبر عزل الملف العراقي عن ملفات أخرى وبواسطة صيغة اللقاء الثلاثي الذي يضم العراق بقيت ذات نتائج محدودة جدا ولا تغير أو تبطئ في مسار الانهيار.

لكن هل تريد واشنطن دورا ناشطا للأمم المتحدة، يرعى منتدى إقليميا ذا طابع إقليمي بشكل أو بآخر ولكن في إطار تدعيم سياستها وتحت سقف هذه السياسة وبغية مدها بالأكسجين الضروري للاستمرار والانتعاش، بمعنى آخر هل تريد واشنطن «سيارة» أممية لتقودها بالسرعة والاتجاه الذي تريده على طريق بغداد بعد أن تعطلت «سيارتها» في العراق، أم أن واشنطن قد تتحول تدريجيا ضمن أفق زمني يبقى غير معروف بعد، إلى قطيعة مع سياستها الماضية المستمرة نحو القبول «لجرع كأس» تدويل التسوية بعد الفشل المتكرر في أمركتها.

وقد تبدأ واشنطن بهذا التحول البطيء والمتعثر في العام الأخير من إدارة بوش ليأخذ هذا التحول زخمه ويستقر كسياسة جديدة مع الإدارة القادمة التي من شبه المؤكد أنها ستكون إدارة ديمقراطية.

الزيارة المفاجأة لوزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير إلى بغداد والتي تعلن بداية عودة فرنسا إلى العراق والتي تندرج في المقاربة الدبلوماسية النشطة نحو بؤر التوتر كما بدت في المئة يوم الأولى للرئيس ساركوزي من دارفور إلى لبنان إلى العراق، تعكس عودة الحرارة إلى العلاقات الفرنسية الأميركية دون أن يعني ذلك تطابق المواقف أو التراجع عن موقف الأمس فيما خص العراق كما ذكر كوشنير مع التأكيد مجددا على قلب الصفحة التي سبق .

وقال بها الرئيس شيراك ولكن مع الاستعداد هذه المرة للمشاركة في كتابة صفحة جديدة في العراق، تبدو الفرصة متاحة بل ضرورية لها مع حاجة واشنطن الماسة للمساعدة للخروج من المستنقع العراقي. وقد ذكر كوشنير بعناصر هامة تدعم هذه الفرصة وهي انه لا يوجد حل عسكري، وانه من الضروري إشراك فعلي وبالتالي فعال لكافة مكونات الشعب العراقي إلى جانب تعزيز دور الأمم المتحدة والانفتاح القوي على فكرة عقد مؤتمر دولي حول العراق مع التأكيد على الحفاظ على الوحدة الترابية له.

المؤتمر أو المنتدى الإقليمي الدولي الذي قد يعقد نهاية الشهر القادم وربما في نيويورك والدينامية السياسية التي ستتبلور حوله ستشكل الامتحان الأساسي لاستكشاف مدى هذا التحول، وللأوروبيين في هذا الخصوص دور أساسي لدفع واشنطن باتجاه التغيير، تغيير المقاربة السياسية، فاستفحال الأزمة له تداعيات سلبية ليس على واشنطن فحسب وللأوروبيين مصلحة بعدم هزيمة حليفهم الاستراتيجي في المنطقة إلى جانب مصلحتهم المباشرة بالطبع لإطفاء الحريق العراقي الذي قد ينتشر في الشرق الأوسط.

كاتب لبناني