لا شك أن جهوداً عربية على أعلى مستوى قد تم بذلها لتطويق الأزمة الأخيرة بين السعودية وسوريا. لكن هذه الجهود ما كان يمكن لها أن تنجح في تهدئة الموقف لو لم تكن هناك قناعة تامة من الرياض ودمشق بأن تصعيد الخلاف بينهما هو أمر شديد الخطورة على مستقبل أمة تمر بمرحلة من أخطر المراحل في تاريخها الحديث، وتواجه تحديات تستدعي توحيد الجهود وتحكيم العقل وإدارة الخلافات بين الأشقاء إدارة رشيدة.
ولعلني واحد من الذين لم ييأسوا يوماً - خلال السنوات الصعبة الماضية - من استعادة تحالف القاهرة - دمشق - الرياض لحيويته وفعاليته، رغم الخلافات والظروف الصعبة، وأحيانا تضارب السياسات والمصالح. ولم يكن هذا الموقف يعني أن أتوقف - أنا أو غيري - من انتقاد سياسات كثيرة هنا أو هناك.
ولكنه كان يعني أن الخلاف ينبغي أن يقوم على قاعدة صلبة من إدراك أن المصير واحد، وان انفرط عقد التنسيق والتكامل بين العواصم الثلاث لن تكون حصيلتها إلا وبالاً على الجميع، وان التحديات الهائلة التي تواجهها الأمة لن يستطيع طرف واحد أن يواجهها بمفرده. ولا توجد دولة عربية واحدة تستطيع الادعاء الآن أنها بأمان، ولا يوجد حليف غير عربي يمكن الوثوق بأنه سيوفر الحماية لهذا الطرف العربي أو ذاك.
ولنتذكر هنا الدرس الأكبر في هذا المجال.. فقبل هزيمة 67 كان هناك انقسام حاد في الصف العربي، وكان هناك معسكران على طرفي نقيض، وكانت هناك حرب فعلية بينهما على ارض اليمن. ومع ذلك فعندما وقعت النكسة كان هناك الوعي التام بأن الهزيمة عربية، وأن الثأر منها هو فريضة واجبة على الجميع.
وكما خرجت الجماهير في كل العواصم العربية ترفض الهزيمة وتجدد الثقة في عبدالناصر، جاءت قمة الخرطوم بعد أسابيع لتضع أساس التضامن الرسمي وتوقف التناقضات غير الأساسية، وتبني التحالف الذي خاض بعد ذلك حرب أكتوبر واستخدم الإمكانيات العربية المتاحة أفضل استخدام، وحقق انتصاراً عزيزا كان يمكن أن تكون نتائجه أفضل بكثير على مجمل المسيرة العربية، لولا أن السياسة خذلتنا بعد ذلك، ولولا أن التآمر الأميركي نجح في تفريق الصف بعد أن اعتبر تحالف أكتوبر هو التهديد الأكبر لمصالحه في المنطقة.
ونحن الآن نمر منذ بداية القرن الجديد بظروف بالغة الصعوبة.. وأعداؤنا استغلوا أحداث 11 سبتمبر ليجعلوا أميركا تعلن الحرب المقدسة علينا، ولتعلن - مع بداية غزوها للعراق - عن مشروعها لتفكيك المنطقة وإعادة رسم الخريطة العربية وفقاً للمصالح الأميركية، وترافق مع ذلك إطلاق يد إسرائيل في شن حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني، وتمهيد الطريق لشرق أوسط جديد لا مكان فيه للعرب إلا كإرهابيين تستحل دماؤهم، أو كخدم وحراس أمن لدى السادة الجدد في المشروع الجديد الذي يتسع لكل القوميات في المنطقة ماعدا القومية العربية.
وإذا كان هذا المشروع قد تعثر بعد الفشل الأميركي في العراق، والفشل الإسرائيلي في الحرب على لبنان في العام الماضي، والمقاومة التي لم تتوقف من كل الشعوب العربية، إلا أن الثمن كان فادحاً: عراق مدمر زاد ضحاياه حتى الآن على المليون، والمهجرون في الداخل والخارج فاقوا الملايين الأربعة، والحكم الطائفي يقود الوطن المنكوب إلى التقسيم والحرب الأهلية.
ولبنان يجري الانتقام من انتصاره على العدو الإسرائيلي بإغراقه في فتنة لا يعلم إلا الله كيف سيخرج منها. وفلسطين التي كانت قادرة على جمع العرب باعتبارها قضيتهم المركزية، لم تعد قادرة حتى على جمع أبنائها بعد قتال الإخوة الأعداء الذي أنجز حل الدولتين بطريقة لم يكن يتوقعها أكبر المتشائمين، حيث أصبحت هناك دولة لحماس في غزة، ودولة لفتح في الضفة، والاثنتان تحت الاحتلال الذي لم يكن يحلم بأكثر من ذلك!
لكن الأسوأ من كل ذلك، أن علينا - كعرب - أن ننتظر فصولا جديدة من الكارثة، والأكثر سوءاً أن يحدث ذلك في وقت كان يحق لنا فيه أن نصبح أفضل حالاً بعد أن استطعنا هزيمة الغزو الأميركي للعراق، والحرب الإسرائيلية على لبنان!! ولكننا بدلاً من ذلك نكتفي بدفع الثمن ثم نبدد الانتصار، ونتركه لغيرنا، ثم نجلس في انتظار كارثة جديدة!
وبدون الدخول في التفاصيل، فالكل في العالم العربي يدرك انه لا أحد بعيد عن الكارثة، ولا أحد قادر على النجاة منها بمفرده، وبدلاً من أن يقودنا ذلك للعمل على امتلاك رؤية موحدة للخطوط العريضة التي نتعامل من خلالها مع الوضع المتأزم، نظل مفتقدين للحد الأدنى من العمل المشترك، ونسمح للخلافات بيننا بأن تتصاعد وتتفاقم..
والنتيجة أن مستقبل العراق يخضع للتفاوض بين أميركا وإيران، وأن جزءاً من أزمة لبنان هو صدى لخلافاتنا، وأن الضغوط تتزايد لنتحول إلى مجرد شهود زور على تصفية القضية الفلسطينية، وأن الغياب العربي الذي طال سمح لكل القوى الإقليمية بأن تجعل من مصالحها جزءاً من أي تصور لمستقبل المنطقة، على حساب مصالحنا وخصماً من حقوقنا.
ولعل تفجر الموقف أخيرا بين السعودية وسوريا إعلامياً بعد فترة طويلة من الخلافات. يعطينا جميعاً الفرصة لكي نطرح القضية من أساسها، انطلاقاً من الإحساس بمدى الضرر الذي سيلحق بالأمة كلها إذا استمر الانقسام ولم ينتبه الجميع إلى أن الأخطار التي تحدق بنا لا تحتمل الآن خيارات الحد الأقصى.
وأن الاختلاف في بعض المواقف والسياسات قد يكون إيجابياً إذا كانت المصلحة العربية وحدها هي الهدف. ومرة أخرى أعود لحرب أكتوبر حيث كان نصف العالم العربي متحالفا مع دول الغرب، بينما النصف الآخر متحالفاً مع السوفييت، ومع ذلك استطعنا التغلب على الانقسام، بل حاول كل فريق توظيف علاقاته من أجل الهدف الواحد، ونجحنا في ذلك لحد كبير.
أعتقد أن الأمور الآن أسهل في هذه الجزئية، فالعلاقات بين الأطراف الإقليمية والدولية أكثر تشابكا، والاصطفاف في جانب لا يمنع من التعامل مع الجانب الآخر.. فسوريا التي تقيم علاقات وثيقة مع إيران منذ سنوات لا تدخر جهداً في محاولة تحسين علاقاتها مع واشنطن، والسعودية التي تصف علاقاتها بالولايات المتحدة ب«الاستراتيجية» تنسج علاقات توازن مع إيران، سواء للبحث عن حل للازمة اللبنانية أو لتخفيف الاحتقان في منطقة الخليج الناتج عن أزمة إيران مع أميركا.
المشكلة ليست في العلاقات بين دمشق وطهران في حد ذاتها، ولا في العلاقات بين الرياض وواشنطن في حد ذاتها، وإنما في طبيعة هذه العلاقات، وفي قدرتها على أن تكون تجسيداً لمصلحة عربية. وإذا كانت الحقائق تؤكد الحاجة إلى توافق الرياض - القاهرة - دمشق الآن وأكثر من أي وقت مضى، فإن ذلك لا يعني تطابق المواقف كلها، ولكنه يعني التفاهم على ما يحقق المصلحة العربية، وأن يكون واضحاً أن أي طرف لن يدخل في تحالف يستهدف العدوان على قطر عربي أو الأضرار بالأمن القومي العربي.
لا أحد يتوقع - في ظل الظروف الراهنة - أن تستقيل دمشق من كل تحالفاتها الإقليمية والدولية. ولا أن تترك القاهرة أو الرياض مواقعها. ولكن المهم البحث عن نقطة الالتقاء وتسخير كل طرف لعلاقاته وتحالفاته لخدمة المصالح العربية.
إذا حدث ذلك فسوف تنفتح أبواب كانت مغلقة من اجل الحل في لبنان، وسوف نضمن أن يكون الحل وفق أجندة عربية، وسوف نقطع الطريق على أمراء الحرب الذين سفكوا دم الشعب اللبناني طوال خمس عشرة سنة من الحرب الأهلية قبل ذلك، ويقودونه الآن في نفس الطريق من أجل مصالحهم الضيقة.
وإذا حدث ذلك فسوف يكون العرب أقدر على مواجهة آثار الكارثة في العراق، وربما استطاعوا منع مصيبة التقسيم، واستعادة وجه العراق الموحد، وتوفير الغطاء العربي الذي يجمع السنة والشيعة العرب، ويطفئ الحرب الطائفية ويمنع امتدادها من العراق المنكوب إلى باقي الوطن العربي المهدد بالنكبة.
وإذا حدث ذلك فسوف يجد شعبنا الفلسطيني من يساعده على استعادة وحدته، ومنع مؤامرة تصفية القضية الفلسطينية من أن تأخذ مداها، ولن يستطيع المحور الأميركي - الإسرائيلي أن يبيع الوهم ويقبض التطبيع المجاني، ولا أن يبشر الفلسطينيين (!!) بالعيش في كانتونات تكتفي برفع العلم مقابل التخلي عن القدس وحق العودة وكل حقوق الشعب الفلسطيني.
إننا لا نتحدث عن معجزة، بل عن قدر من المسؤولية يفتح الباب لموقف مشترك يمنع الكارثة من أن تستمر وتتفاقم، وليس أمامنا إلا أن نأمل، وننتظر، ونطلب من كل القوى العربية أن تتحرك على هذا الطريق.
نقيب الصحافيين المصريين