عاد ملف الأزمة اللبنانية، بعد مراوحة مديدة إلى الغليان. اقتراب الاستحقاق الرئاسي وضعه فوق نار حامية، بل جعله في سباق مع الوقت، فبعد شهر يبدأ العد العكسي وتدخل المهلة الدستورية ـ مدتها شهران ـ لانتخاب رئيس جديد للبلاد، وحتى الآن لا تزال الأمور الخلافية على حالها، الحلحلة مفقودة والتوافق، ناهيك عن أن الإجماع متعذر، حتى بخصوص الآليات. وبذلك كان من الطبيعي أن يعود الوضع إلى دوامة الشروط والشروط المضادة.
وقد رافق ذلك، خلال الأيام القليلة الماضية، تعنيف في لغة التخاطب بين الأطراف، بل هي تحولت إلى عملية تراشق، الأمر الذي أدى إلى إحياء أجواء التأزيم، وفي ظلها بدأت تتواتر التلويحات بأوراق وخطوات وبدائل من شأنها ـ لو حصل اللجوء ـ إليها أن تزيد الأزمة تعقيداً وانسداداً.
النسمة الباردة الوحيدة، وسط هذا التسخين، هبت من مخيم نهر البارد، الذي شارفت حربه بين الجيش و«فتح الإسلام»، على الدخول في شهرها الخامس، تمثل ذلك في نجاح الوساطة، التي أدت إلى إخراج عائلات المقاتلين بسلام من المخيم.
وعسى أن يكون ذلك مؤشراً على اقتراب طي صفحة هذه المواجهة، من دون زيادة الخسائر؛ بعد أن ألحقت أضراراً فادحة بالمخيم وسكانه وبالجيش اللبناني.
ما عدا ذلك، لا يزال المشهد اللبناني على إشكالاته. هجوم الاستحقاق فرض التحريك، كما حمل على تجديد الوساطات. خاصة منها المقبولة من كافة الفرقاء، وهي جارية ومرشحة للاستمرار ولتكثيف مساعيها مع اقتراب الموعد الرئاسي، لكن التجارب اللبنانية السابقة تفيد بأن المفتاح، في نهاية المطاف بيد اللبنانيين والكلمة الأخيرة لهم بصرف النظر عما في الأمر من حسابات واعتبارات.
وقد سمع اللبنانيون من الوسطاء، أكثر من مرة مثل هذا الكلام. وإذا كان ذلك صحيحاً ومطلوباً، خلال عمر الأزمة ومحطاتها؛ فإنه الآن أكثر إلحاحاً ولزوماً. ذلك أن المحطة الرئاسية الراهنة، ليست فقط هامة وشديدة الحساسية بل أيضاً هي فاصلة. الفارق بين الاستجابة التوافقية لهذا الاستحقاق أو عدمها، هو الفارق بين العبور إلى ضفة السلامة أو إلى ضفة المجهول.
المأزق اللبناني الذي يجرجر منذ أوائل 2005، كبرت فاتورته، خاصة وأن فاتورة الحرب الأهلية ـ السيئة الذكر ـ كانت لا تزال قيد التسديد، والأكثر والأخطر من ذلك أن انفتاح الأزمة على الأدهى في الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة عموماً ولبنان بخاصة، من شأنه أن يقود إلى متاهات ومهاوٍ مخيفة، ليس أقلها وقوع البلد في فراغ دستوري، مفتوح على فراغات وتفريغات لا حصر لها.
وإذا كان من المتوقع أن تتجدد الوساطة العربية، على أبواب هذا الاستحقاق؛ فإن المطلوب تسريع هذا الدور وتزخيمه، نظراً لدقة المرحلة التي يعبرها الوضع اللبناني وللمخاطر العاتية المحيطة به؛ على أن يكون شعار هذا الدور: «الفشل ممنوع».
