تشير معظم المعطيات السياسية إلى أن حكومة نوري المالكي تعيش ايامها الأخيرة في العراق ، وهذا متوقع بعد سلسلة من الأزمات السياسية والأمنية ذات البعد الطائفي والتي لم تستطع الحكومة أن تتعامل معها بطريقة توحي بأنها حكومة لكل العراقيين ، ويبدو الآن وكأن معظم القوى التي قدمت الدعم للحكومة تغسل أيديها منها في الأيام الأخيرة.
انسحاب القائمة العراقية الموحدة التي يتزعمها رئيس الوزراء السابق إياد علاوي من الحكومة يشكل ضربة قوية خاصة وأن قائمة علاوي ليست طائفية بقدر ما هي سياسية وقد قدمت قائمة من 14 مطلبا وطنيا للرئيس المالكي منذ شهر شباط الماضي منها إعادة النظر في قانون مكافحة الإرهاب وتطهير الجيش والشرطة من العناصر المندسة وتعليق العمل بقانون اجتثاث البعث حتى سن قانون جديد.
كما طالبت القائمة الحكومة بوقف المظاهر ذات الابعاد الطائفية والجهوية ومنها هيئة التوازن والعمل بجدية على المصالحة الوطنية ومنع تدخلات دول الجوار ووضع خطة لاعادة المهجرين قسرا داخل العراق وخارجه ولكن الحكومة لم تقم بأي تحرك إيجابي مما ساهم في إنهاء حالة الثقة بين القائمة والحكومة.
مقابل المشاكل الداخلية يبدو أن حكومة المالكي قد خسرت أيضا ثقة الطرف الأميركي ومنذ وقت طويل فعلا حيث يشير تقرير جديد للمخابرات الأميركية إلى أن مستقبل حكومة المالكي لن يكون مستقرا وسوف يستمر معدل العنف الطائفي وسط تزايد في مطالبة أعضاء من الكونغرس الأميركي بانسحاب القوات الأميركية وإيقاف الدعم لحكومة المالكي واتهامها بعدم القدرة على إدارة الشؤون الأمنية والسياسية والسماح بتدخل قوى خارجية وخاصة إيران في الشأن العراقي.
ويبقى الجميع في الولايات المتحدة بانتظار تقرير كروكر - بتريوس حول تقييم الوضع الأمني في العراق والذي سيقدم إلى الكونغرس الأميركي في الخامس عشر من ايلول ويتوقع له أن يتضمن نقدا حادا لقدرة حكومة المالكي على ضبط الأمن وأن يعطي الفضل في التحسن النسبي للوضع الأمني في بغداد إلى القوات الأميركية فقط. ولكن المشكلة الحقيقية في العراق تبقى في سيادة الفكر الطائفي الضيق على الفكر الوطني في إدارة الحكومة والشأن العام في العراق .
ولا مخرج من هذا النفق المظلم إلا في وضع المصلحة الوطنية فوق المصلحة الطائفية وارتقاء السياسيين فوق مستوى الخلافات الطائفية ، ورفع مستوى الثقة والتعاون مع الدول الأساسية المهتمة باستقرار ومصلحة العراق وخاصة الأردن والسعودية ومصر والإمارات والتي ستكون شريكة في أية ترتيبات تستهدف الخروج من حالة الطائفية وتصفية الحسابات السياسية في الأرض العراقية نحو حالة من البناء الوطني للمصلحة العراقية العامة.
المشكلة العراقية هي في الأساس من صنع الاحتلال الأميركي ، وملاحظات الرئيس بوش السلبية حول أداء الرئيس المالكي هي مؤشر آخر على عمق الأزمة المشتركة بين الإدارة الأميركية والحكومة العراقية وانسداد الآفاق في إيجاد حلول تتناسب مع الواقع المؤسف وترتقي فوق فلسفة المحاصصة الطائفية وترسيخ الاحتلال والتي ثبت فشلها في كل تطبيقاتها في السنوات الأربع الماضية.
