إن الخبر القادم هذا الأسبوع من واشنطن بشأن التزام الولايات المتحدة بتعزيز التفوق النوعي الإسرائيلي العسكري والصناعي والتكنولوجي بمبلغ خيالي من الخزينة الأميركية يصل إلى 30 مليار دولار، ليس خبراً عادياً على الأقل بالنسبة للعرب لأن الغاية المعلنة بدون تزويق دبلوماسي هي الإبقاء على حالة العجز والتبعية العربية إلى أجيال قادمة بقطع النظر عن أية حلول تطرح للصراع العربي الإسرائيلي. أي في الواقع تعزيز موقع المنتج المتفوق لإسرائيل ودعم موقع المستهلك السلبي للعرب.
ولعل هذا الخبر هو الذي دفعني إلى أن أخصص بعض مطالعات إجازتي الصيفية لمحاولة فهم سر من أسرار العرب المعاصرين، زادني رغبة في فك ألغازه ما يجري هذه الأيام من عقد صفقات مثيرة للجدل بين فرنسا وليبيا في مجال الطاقة النووية المدنية، وما يدور من حديث حول صفقات تسليح متطور بين الجزائر وروسيا.
وكذلك عقود اقتناء الطائرات الجديدة من مؤسسة ايرباص بين دول خليجية والاتحاد الأوروبي. كما أن عيالي وأجزم أن عيالكم من الجيل العربي الصاعد أصبحوا يلحون علينا في السؤال حول وقوف العرب دائما في طابور المستهلكين، وخلود الغرب في صفوف المنتجين، والتحاق القوى الجديدة به في التصنيع والإبداع وغزو أسواقنا مثل الصين والهند والبرازيل.
بل إننا يجب أن يصيبنا على الأقل نوع من الخجل والحياء حين نعلم أن دولة صغيرة جدا وليس لها موارد طبيعية أو ثروة معدنية مثل فنلندا في شمال أوروبا هي التي تزود ثلاثمئة مليون مواطن عربي بهاتف نوكيا الجوال من المحيط إلى الخليج، وأن اليابان التي بدأت نهضتها مع أسرة مايجي الحاكمة في نفس لحظة انطلاق نهضتنا العربية على أيدي محمد علي في مصر في أواسط القرن التاسع عشر، هي التي تحتل اليوم مرتبة الصدارة في تصنيع وترويج السيارات متجاوزة لأول مرة في التاريخ أسطورة جنرال موتورز الأميركية!
واليابان تبيع في الولايات المتحدة من سيارات تويوتا أكثر مما تبيع في اليابان ذاتها، وسيكون الأمر كذلك في الاتحاد الأوروبي بعد أربعة أعوام حسب المرصد الصناعي والتكنولوجي التابع لمنظمة الأمم المتحدة. وهكذا فإن العالم العربي يبقى بكل المقاييس خارج التوقعات ولا أحد من العارفين والمخططين للمستقبل يقرأ له حسابا على الأقل لجيل كامل قادم! وهذا يعني بالنسبة لمراكز الدراسات المستقبلية النزيهة أن العرب بدأوا يخرجون من التاريخ بدون إدراك لأن التاريخ هو الإبداع والشراكة في مسيرة الحضارة لا الاكتفاء باستهلاك منتوجات الأمم الأخرى.
ولأني انقطعت خلال هذا الصيف عن متابعة الحدث في حرارته رأيت أن أحاول اكتشاف مفتاح هذا السر الذي يسميه أرفق المحللين بنا بالاستثناء العربي (هذا المصطلح لكاتب افتتاحيات نيوز ويك فريد زكريا) بينما سماه المفكر البحريني العربي الفاضل محمد جابر الأنصاري بالخلل.
أي الخلل الحاصل بين الواقع والعقل العربي، وتعمق في فهمه وتفكيك ألغازه قبل أربعين عاما المفكر الجزائري طيب الذكر رحمه الله تعالى مالك بن نبي حين قال إن خطأ العرب منذ الحصول على استقلال دولهم هو الاعتقاد أن نهضتهم لا تكون سوى باستيراد أنماط الغرب الغالب.
بينما النهضة تكون باطلة ومزيفة إذا ما جلبنا أدوات نهضة الأمم الأخرى حتى لو كانت هي الأقوى، لأنها بكل بساطة تحمل كل حضارة وتختزن آلياتها الخاصة بها والتي يطلق عليها الغرب اسم الميكانزم وهذا الميكانيزم هو الذي يعتبر محرك النهضة، ويفسره مالك بن نبي بكونه حصيلة العناصر الثلاثة في كل حضارة على حدة، ألا وهي الإنسان والزمن والتراب، أي العلاقات الجدلية التفاعلية (أنترأكتيف) ما بين البشر ونمو مداركهم عبر العصور مع مستحقات الجغرافيا.
ومن هنا ندرك طروحات مالك بن نبي ومن قبله عبد الرزاق السنهوري ومن بعدهما كل جيل التأصيليين مثل طارق البشري ونجم الدين أربكان وعلي عزت بيغوفتش ومهاتير محمد، تلك الطروحات المؤمنة بأن لا نهضة للعرب والمسلمين عامة سوى بتطوير المخزون الإسلامي وإعمال العقل والاجتهاد فيه بدون انبهار مضلل بميكانيزم تقدم الغرب أو اليابان والصين. والسر في تقدم هذه الأمم هو أنها لم تتخل عن ميكانيزماتها الخصوصية الأصيلة بل انطلقت منها.
كاتب تونسي