الحكومات المتخبطة صنفان، صنف يكتفي بما هو عليه فلا يحرك ساكنا تاركا مسارات الأمور هي التي تتحكم بمصير تلك الحكومة لا بل وحتى المحكومين فيها.
وصنف آخر يحاول باستمرار تحريك نفسه فلا ينتج عن هذا الحراك سوى مزيد من التخبط والانهيار لان هذا الحراك غالبا ما يكون ارتجاليا تبتكره تلك الحكومة وبالتالي تقع في نفس المطبات والأخطاء أو تكون تلك التحركات قد تم مسبقا بناؤها وتصميمها من قبل تلك القوى الخارجية التي لها التأثير والنفوذ على مفاصل الحكومة.
وتجربة التاريخ وأحداث الحاضر أفرزت لنا بوضوح تلك الحكومات المتخبطة والتي باتت الحكومة العراقية الراهنة على رأسها فنجدها متعثرة تتأرجح بين حكومات الصنف الأول وحكومات الصنف الثاني. فنجد الحكومة العراقية إما جامدة كالصخر لا تحرك ساكنا لوضع أمني يتهاوى وبلد يحتضر وتارة أخرى نجدها تبتكر لنا ابتكارات ما انزل الله بها من سلطان فتزيد الأمور تدهورا والطين بللا.
آخر ابتكارات الحكومة العراقية هي ما سمي بالتحالف الرباعي للخروج من الأزمة السياسية هذا التحالف هو عبارة عن تكتل حكومي يضم في معيته الحزبين الكرديين الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطلباني والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني وقسم من حزب الدعوة جناح رئيس الوزراء نوري المالكي والطرف الرابع هو المجلس الأعلى ممثلا بنائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي. هذا التحالف أو التكتل هو عبارة عن محاولة لإخراج الحكومة الحالية من أزمتها الراهنة بوسيلة تضمن لها البقاء لأطول فترة ممكنة.
أيضاً محاولة لشق صفوف التحالفات داخل البرلمان عبر تشكيل تحالف قوي يخرج الحكومة من أزمتها ولكن الواقع أن هذا الخروج ربما سيكون نحو الانهيار، والسبب يكمن في عاملين: أولاً: هذا التحالف عبارة عن فكرة أميركية سبق أن طرحت في مناسبات عديدة وكان الاختلاف هو في مضمون الأطراف الذي تمثل هذا التحالف وبالتالي فان التحالف تم بأوامر أميركية وهو أيضاً خطوة استباقية لتقرير باتريوس الذي سيطالب الحكومة الحالية بالخروج من أزمتها الحالية أو الخروج من سدة الحكم.
وعليه فان هذا التحالف تم بفعل ضغط الظروف الموجبة له وليس بقناعة أطراف التحالف وعليه فان الانهيار أو انفراط التحالف وارد خاصة انه من المعروف أن هنالك خلافات عميقة وتناقضات صميمية بين كل من رئيس الوزراء المالكي ورئيس الجمهورية الطالباني ورئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني.
- ثانيا :هذا التكتل أو التحالف الرباعي هو في الواقع تحالف للأقلية داخل البرلمان حيث كتلة الائتلاف تضم 130 نائبا أهم الأحزاب في هذه الكتلة هي (حزب الدعوة برئاسة الجعفري ـ المجلس الأعلى برئاسة عبد العزيز الحكيم ـ المستقلين برئاسة حسين الشهرستاني ـ والصدريين برئاسة فلاح شنشل ـ وحزب الفضيلة برئاسة نديم الجابري).
وبالتالي فان هذه الكتلة الكبيرة يمثلها في هذا التحالف تيار المالكي المنشق من حزب الدعوة وهم أقلية في الحزب والمجلس الأعلى وكلا هذين الحزبين لا يمثلان قوة التأثير الحقيقية مقارنة بالصدريين أو حزب الفضيلة اللذين يسيطران على الحياة السياسية في العراق وعلى جمع كبير من المؤيدين لهم في الشارع العراقي. وحتى الحزبان الكرديان لم يستطيعا أن يعادلا الكفة لحساب هذا التحالف. الذي يقابله أكثرية رافضة له هذه الأكثرية تضم:
- حزب الدعوة جناح الجعفري 15 عضواً
- حزب الفضيلة 25 عضواً
- الصدريون 30 عضواً
- المستقلون في الائتلاف لم يدخلوا التحالف 20 عضواً
- يعني 95 من 130 من الائتلافيين لم يدخلوا الائتلاف الجديد
أما الكتل الأخرى (وهؤلاء خصوم المالكي) فهم:
ـ جماعة اياد علاوي القائمة العراقية 25 عضوا
- التوافق 44 عضواً (3 فرق الحزب الإسلامي وجبهة الحوار الوطني ومؤتمر أهل العراق)
- الجبهة العراقية للحوار الوطني 11 عضوا جماعة صالح المطلك
- جماعة مثال الالوسي 1 مقعد
- الجبهة التركمانية 1 مقعد
وحيث إن هذا التحالف الرباعي يضم في داخله 95 فقط من مجموع أعضاء البرلمان. في حين أن الأطراف الأخرى تضم ما يقارب 170 من 275 لم يدخلوا الائتلاف الجديد إذن التحالف المشكل هو تحالف أقلية وليس أكثرية.
والواقع أن هذا التحالف تم عزله من لحظات ولادته الأولى حيث لم يحظ بمباركة أي طرف سياسي بل إن الفكرة برمتها لم ترق لأي من الأطراف السياسية التي باتت تقاطعاتها حادة إلى درجة أن لا تلاقي في الأهداف أو المشروع أو حتى الرغبة في الاستمرار والعمل مع بعضها البعض على الأقل لإيجاد حل لكارثة العراق التي تمثل السياسة والسياسيين فيها العنصر الأساسي إن لم يكن الأول والأخير.
وعلى أساس العناصر السابقة فان هذا التحالف أمامه الخيارات الثلاثة التالية:
الخيار الأول هو أن يتحقق المستحيل فيتفق أطراف التحالف على ما لم يتفقوا عليه طوال تلك الأشهر التي جمعتهم في حكومة واحدة وان يتم التلاحم بينهم فيمثلوا قوة جديرة بالاحترام تستقطب بدورها الأطراف السياسية الأخرى وبالتالي يمكن أن تنجز بعض الانجازات التي يمكن من خلالها إعادة الوضع في العراق إلى خطوطه المفهومة أو على الأقل خلق الشعور بان هناك ضوءاً في آخر النفق العراقي المظلم.
هذا الخيار ليس مستحيلا حيث إن هنالك عاملا مهما يمكن أن يكون الدافع الأساسي لنجاح هذا الخيار ألا وهو رغبة الأطراف الأربعة في التحالف في البقاء في الحكم لأطول فترة ممكنة هذه الرغبة الملحة يمكن أن تكون بحد ذاتها عنصرا للحفاظ على هذا للتحالف. ولكن في الوقت نفسه فان أمام هذه الرغبة الملحة هنالك أنانية عمياء وهنالك خصوم لا هوادة لهم إلا إسقاط الحكومة الحالية وهنالك أيضاً عقم في إيجاد الحلول للخروج من الأزمات بدل التورط في المزيد منها.
الخيار الآخر هو أن ينهار هذا التحالف وهذا الانهيار سوف يترتب عليه انهيار مباشر للحكومة العراقية التي باتت تلعب آخر أوراقها، هذا الانهيار وارد بفعل حقيقة أساسية، وهي أن ما بني على خراب لابد أن يسير إلى الخراب وهذا التحالف كما أسلفنا هو عبارة عن بناء هش بين كيانات وأطراف سياسية غير منسجمة لا مع نفسها ولا مع بعضها الآخر وبالتالي فان الانهيار وارد.
وفي كل الأحوال فان فكرة تحالف البعض ضد الكل هي في واقعها خطوة تعكس رغبة الأطراف السياسية في حماية نفسها وليس حماية ما تبقى من العراق وتعكس واقع الذاتية والانفراد الذي يسيطر على عقلية معظم الساسة العراقيين وخاصة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها يحكمون العراق العظيم بكل تاريخه وبكل ثرائه وبكل شموخه. بلد اكبر وارقى من أن يقسم أو يكمم أو يوأد حياً على يد ساسة لا يفقهون معنى ومسؤولية الحكم.
كاتبة عراقية