يقول العديد من السياسيين الديمقراطيين الأميركيين، بمن فيهم بعض من يخوضون السباق الانتخابي الرئاسي الآن، إنهم قد اقترعوا في عام 2002 لصالح تخويل الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش المضي قدما بالحرب في العراق لا لشيء إلا لإعطائه دفعة تفاوضية لإجبار صدام حسين على التراجع قبل أن يصبح التحرك العسكري «ضروريا».

وهم يزعمون أنهم لم يدركوا أن بوش كان قد عقد العزم بالفعل على غزو العراق. وبعد رؤية المبررات المطروحة فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل وهي تتداعى ، فإن العديد من المتشككين يتساءلون الآن عن مدى وجاهة الطروحات التي يكدسها بوش الآن فيما يتعلق بإيران.

يقول الرئيس الأميركي إن وحدة إيرانية لا يعرف عنها الكثير قد أمدت المسلحين العراقيين بأسلحة خارقة للدروع تسببت في مقتل ما يزيد عن 170 جنديا أميركيا، وإن الحكومة الإيرانية لا بد من مساءلتها عن ذلك، كما أنه يقول كذلك إن إيران تقوم بتسليح ميليشيات شيعية، الأمر الذي يفاقم العنف الطائفي الذي نكب به جانب كبير من وسط العراق. ويحذر منتقدو الرئيس الأميركي الكثيرون من أن البيت الأبيض يستخدم معلومات مخابرات غير مؤكدة لتصعيد الدعم الداخلي الأميركي والدولي للتحرك العسكري في الشرق الأوسط.

أي فارق بين الحالتين نجده بعد انقضاء أربع سنوات؟ إن بوش يحاول الآن تجنب التحرك العسكري وليس الترويج له. كما يعرف كل من في الكون الآن ، فقد استخدم الرئيس الأميركي وفريقه الخاص بالسياسة الخارجية معلومات مخابرات مختلفا بشأنها لحشد الدعم الأميركي الداخلي والدولي للحرب على صدام حسين التي كانوا قد قرروا بالفعل شنها. وقام مسؤولو الإدارة الأميركية بتقديم أدلة ظرفية على أن صدام يراكم مخزونا من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وينفذ برنامجا نوويا وأن حكومته لها صلات بتنظيم القاعدة.

ما أن انجلى ضباب الحرب، حتى فقدت الإدارة الكثير من مصداقيتها لدى الحكومات الأجنبية وأعضاء كل من الحزبين السياسيين الأميركيين وأغلبية الشعب الأميركي. ويأمل البيت الأبيض الآن في إقناع الجمهور نفسه بأن إيران مسؤولة بشكل مباشر عن الخسائر الأميركية في العراق وعن العنف الطائفي هناك.

لندع جانبا التشكك الطبيعي في هذه المزاعم، فالفريق التابع لبوش يصعد الضغط على إيران ليؤجل على وجه الدقة وبقدر الإمكان حلول اليوم الذي يجبر فيه الرئيس الأميركي على الاختيار بين القبول بحكم الأمر الواقع بين إيران نووية وبين تحرك عسكري قد يوجد من المشكلات أكثر مما يحل.

إن التهديد بغزو بري أميركي لإيران ليس بالتهديد الذي يتسم بالمصداقية. والبيت الأبيض يعرف أن قادة إيران يدركون تمام الإدراك أن التزامات القوات الأميركية في العراق وأفغانستان تسحب هذا الخيار من فوق المائدة، حتى لو كانت مثل هذه الخطة معقولة سياسيا أو عسكريا.

لكن قصر التحرك العسكري على الضربات الجوية لمنشآت إيران النووية ليس بالخيار المثالي، ومثل هذا التحرك قد يدفع إيران إلى سحب مقادير كبيرة من صادراتها النفطية من السوق أو إلى إحداث انقطاع في حركة ناقلات النفط عبر عنق الزجاجة المهم المتمثل في مضيق هرمز. ومن شأن أي من الخيارين أن يضيف ضغطا كبير على أسعار الطاقة باتجاه الارتفاع. ويمكن لطهران كذلك أن ترد بالوكالة عبر الدعم المكثف لهجمات حزب الله وحماس على إسرائيل.

وما يزيد على ذلك أهمية أن الضربات الجوية قد لا تحدث أثرا، فإيران قد نثرت منشآتها النووية على امتداد أرضها، وبعضها موجود في خنادق محصنة على عمق كبير تحت الأرض. ولكن إذا برهنت الضربات الجوية بالفعل على أنها البديل الوحيد لإيران نووية، فإن بوش سيدرس إمكانية القيام بها، حتى ولم يكن هناك أحد في الخارج أو في داخل أميركا يؤيده في ذلك. وهو محق في عدم توقعه لدعم يذكر لمثل هذه الخطوة، ووجود أدلة على نشاط إيران في العراق لن يغير هذا الأمر والبيت الأبيض يعرف ذلك.

ولكن الرئيس الأميركي يعلق الآمال على أنه حتى إذا لم يتقبل أحد طروحاته بشأن طهران، فإن الكثيرين داخل أميركا وخارجها سوف يعتقدون أن البيت الأبيض على استعداد لقبول المخاطر التي تجلبها الضربات الجوية والتحرك قدما من دون دعم دولي.

وذلك هو النحو الذي يأمل من خلاله في حشد التأييد لنهج دبلوماسي أكثر اتساما بطابع المواجهة، أي قرارات أكثر صرامة تصدر عن مجلس الأمن، وأشكال متنوعة من العقوبات وغيرها من أشكال الضغوط التي يأمل الكثيرون في واشنطن أنها ستشجع البراغماتيين في إيران على تنحية الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد جانبا وتهدئة انطلاق إيران باتجاه تحقيق القدرة النووية، وكل ذلك من دون إطلاق رصاصة واحدة؟

هل سينجح هذا التصور؟ لا يزال الوقت جد مبكر على الإجابة على هذا السؤال، لكن فريق بوش يعرف أن عدم تنظيم الدعم لضغط يتسم بالمصداقية والاستمرارية على إيران من شأنه أن يعجل بقوة الدفع نحو مواجهة لا يريدها أحد حقا.

وحتى إذا كان بوش على استعداد للإحجام عن القتال ، فإن التزامات أميركا الأمنية حيال إسرائيل سوف تجعل قدميه قريبتين من النار، ذلك أنه بالنسبة للإسرائيليين فإن تقدم إيران النووي يشكل خطر وجود واضحا وقائما. وحشد الدعم الدولي لدبلوماسية ضاغطة هو أفضل وآخر فرصة أمام بوش لتجنب قرار بتوجيه ضربات جوية إلى إيران.

وحتى الآن، فإن الولايات المتحدة لم تصل إلا إلى انتزاع قرارات بعيدة عن الصرامة من مجلس الأمن ضد إيران، وقد أشار الروس الذين تأمل واشنطن في تجنب استخدامهم لحق النقض في مجلس الأمن، إلى أنهم قد ضغطوا على إيران بأقصى قدر يستطيعونه. وبغض النظر عن الأمم المتحدة، فإن المشاركة الدولية في أي ائتلاف دولي من أي نوع يرغب في فرض عقوبات صارمة خاصة به يظل أمرا مشكوكا فيه إلى حد بعيد.

وعلى الرغم من ذلك فإن تلك هي الخيارات الوحيدة الآن التي تقف بين الرئيس الأميركي وبين قرار فيما يتعلق بشن هجوم جوي من عدمه. ولكن بيت بوش الأبيض صاح محذرا من الذئب مرات أكثر مما ينبغي. وإذا لم يؤد حديث الرئيس الأميركي الصارم إلى كسب التأييد لضغط دولي أكبر على طهران فإن الشكوك حول مصداقية الإدارة الأميركية قد تؤدي إلى النتيجة التي يأمل الجميع في تجنبها.

خدمة لوس أنجلوس تايمز

خاص ل«البيان»