المثقفون العرب المقيمون في الغرب ينتمون إلى فئات ومشارب واتجاهات شتى. فمنهم الأساتذة الجامعيون الذين يكتبون باللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية والألمانية، الخ... ومنهم أولئك الذين يكتبون ويفكرون بالعربية مباشرة دون مناصب جامعية بالضرورة.
وفيهم من ازداد إعجاباً بالحضارة الغربية وحداثتها وعلمانيتها وحرياتها بعد طول إقامة في الغرب. ومنهم من حصل لديه رد فعل مضاد لكل ذلك فازداد تشبثاً بالتقاليد وأنماط الفكر القديم. وفيهم من يقف بين بين. ويمكن القول بأن الذين يكتبون باللغات الأجنبية ويشغلون مناصب أكاديمية في الجامعات الغربية يتمتعون بحرية أكبر فيما يخص نقد التراث القديم والطائفية الدينية المسيطرة حاليا.
ولكن ذلك ليس مضمونا على طول الخط. فهناك أكاديميون لا يقلون خضوعاً للإيديولوجيات القومية ـ الأصولية عن أي رجل شارع في العالم العربي!وبالتالي فلا يكفي أن تكتب بالأجنبي أو أن تكون صاحب مناصب أكاديمية لكي تكون من دعاة الإصلاح والتنوير والقيم الحديثة عموما.وهذا شيء يدعو للاستغراب والدهشة في الواقع.
وما يهمني هنا هو التحدث عن الصنف الآخر من المثقفين: أي عن أولئك الذين يستغلون وجودهم في مجتمعات حرة وديمقراطية لنشر الفكر الجديد عن التراث الإسلامي بالذات. فهؤلاء هم الذين يشكلون منارات للشعوب العربية وللمثقفين الذين بقوا في الداخل . ولكن لا يفهمنَّ أحد من هذا الكلام أن كل مثقفي الخارج هم نورٌ على نور وأن مثقفي الداخل لا معنى لهم!
فالواقع أن العكس هو الصحيح في أحيان كثيرة. وهذا من غرائب الأمور كما ذكرت آنفا. فالعديد ممن خرجوا إلى بلدان الغرب بل ودرسوا في جامعاته لم يستفيدوا شيئا يذكر من تقدمه وعلومه ولم ينفتحوا فكريا ولم يتغيروا.. ويا ليت أنهم لم يخرجوا.لقد أضاعوا وقتهم سدى وصرفت عليهم أموال البعثات العلمية مجانا..
والعديد ممن بقوا في الداخل يبدون أشد إصراراً على الانخراط في معركة التنوير الفكري على الرغم من أنهم تنقصهم المراجع الحديثة والاحتكاك المباشر بالبيئات العلمية الطليعية في باريس أو لندن أو برلين أو نيويورك أو غيرها من عواصم الحداثة العالمية الكبرى.
ولولا أني سأثير عليَّ حفيظة العديدين لكنت قد ضربت أمثلة محسوسة وسميت الأشياء بأسمائها. ولكن بما أن إقامة اللوائح ومحاكم التفتيش ليست من عادتي فإني سأكتفي فقط بالتركيز على الأسماء اللامعة التي انفصلت عن القطيع وغرَّدت خارج السرب القومي ـ الأصولي وإيديولوجيته الديماغوجية وقبلت بمواجهة التحدي الفكري بكل جرأة وإحساس بالمسؤولية.
ما يهمني هنا هو التحدث عن المثقفين النقديين الذين لا يستسلمون للغرائز الشعبوية الضيقة ولا للعصبيات الشوفينية سواء أكانت ذات طابع قومي أو طائفي. فهؤلاء يغلّبون البحث عن الحقيقة والكشف العلمي على أي اعتبار آخر.
وهؤلاء بما أنهم يعيشون في الغرب ويكتبون بلغاته فإنهم يقيمون مسافتين عن مناطق القمع الفكري اللاهوتي لا مسافة واحدة. فهناك أولاً المسافة الجغرافية التي تحميهم الى حد ما من زمجرة التيارات المتشددة التي تكتسح الشارع العربي، وهناك ثانياً المسافة اللغوية التي تزيد الحماية الأولى درجة إضافية.
وبالتالي فإنهم يتمتعون بحرية أكبر في نقد الجوانب المعتمة أو الرواسب المظلمة والمتراكمة من التراث. وهي الجوانب التي تسبب الانفجاريات الطائفية أو المذهبية في العراق والباكستان ومختلف مناطق العالم الإسلامي.
وهي التي تؤدي إلى القتل على الهوية أو إلى المجازر التي نشهدها حاليا والتي تصدمنا في الصميم. ولكن مشكلة هؤلاء المثقفين النقديين الأحرار هي بالطبع الانقطاع عن التواصل مع الجمهور العربي الذي لا يتقن إلا لغة واحدة ولا يعرف الفرنسية بالضرورة.
و بالتالي فإذا لم تترجم كتبهم إلى اللغة العربية فإنها تموت في أرضها أو قل لا تؤدي إلى الفائدة المرجوة منها. فالغرب مليء بالتنوير والإضاءات النقدية لتراثه الأصولي المسيحي وليس بحاجة إلى مفكرينا لتنويره... ومشكلة الأصولية والتعصب الأعمى أصبحت وراءه منذ زمن بعيد بعد أن واجهها فلاسفته بكل حزم وجرأة حتى قضوا عليها أو قلصوها إلى حد كبير.
والشيء الذي لاحظته هو أن معظم المفكرين التنويريين في فرنسا هم من أصل مغاربي بالمعنى الواسع للكلمة: أي جزائري، أو تونسي، أو مغربي أقصى. يكفي أن نضرب مثلاً على ذلك محمد أركون، أو مالك شبل، أو محمد شريف فرجاني، أو عبد الرحيم لمشيشي، أو رشيد بن زين، أو يوسف الصديق، أو عبد الوهاب المؤدب،
أو عشرات غيرهم ممن لا يخطر اسمهم على بالي في هذه اللحظة...ولكن ربما كان لهم نظراء في العالم الانغلوساكسوني او الجرماني أو بقية أراضي المغترب والشتات..فأنا لا أتحدث هنا إلا عن النطاق الفرنسي الذي أعرفه أكثر من غيره.
فهؤلاء قدموا العديد من الكتب المضيئة في السنوات الأخيرة عن مشكلة التزمت والطائفية المقيتة والإكراه في الدين. بل وشرحوا مشكلة الأصولية من مختلف جوانبها اللاهوتية والسياسية وحتى الاقتصادية. وركَّزوا على الجوانب العقلانية في تراثنا العربي الإسلامي في الوقت الذي دعوا فيه إلى الاستفادة من مناهج الغرب وعلومه دون تحفظ.
وبينوا ما هو مضيء في تراثنا العريق وما هو متحنط ، قديم، بال، عفا عليه الزمن وأصبح حجر عثرة في وجه تقدمنا وانطلاقتنا. بل وطالبوا بتطبيق هذه المناهج الحديثة على التراث الإسلامي من أجل غربلته وتمحيصه لفرز الصالح عن الطالح، أو الحي عن الميت. فهناك قشور كثيرة وتراكمات لا حصر لها ولا عد. هناك حشو كبير يخنقنا، وقد أصبح عالة علينا.
ولكن لا أحد يعرف كيف يفككه أو يتخلص منه. وحدهم هؤلاء المفكرون الأفذاذ وأشباههم يعرفون. ثم إنهم فعلوا ذلك بشكل خاص لكيلا يبقى هذا التراث العريق أداة فعالة ـ وفتاكة ـ في أيدي التكفيريين والجهلة والمشعوذين يتلاعبون به كما يشاؤون.
ثم يستخدمونه بعدئذ من اجل إطلاق الفتاوى الظلامية العشوائية التي تخلع المشروعية الدينية على هذه المجازر بالذات والدين الحق من ذلك براء. فمن الواضح أن القراءة الصحيحة والمستنيرة للتراث الإسلامي أصبحت هي الرهان الأكبر للسنوات القادمة. فإما أن تنتصر على القراءة الظلامية المتزمتة السائدة تاريخيا منذ عصر الانحطاط، وإما أن تنسحق أمامها ويُجْهض كل أمل في النهضة الحضارية العربية.
من الواضح أن الغرب يراقب عن كثب هذا الغليان الثقافي الذي يجري داخل العالم العربي وخارجه في آن معاً. وذلك لأن شظايا التكفيريين الإرهابيين أصبحت تصيبه هو أيضاً. ولكن هل يفعل كل شيء ممكن لمساعدة التيار العقلاني الوليد أو حتى الجنينيّ، ضد التيار الأصولي الراسخ الجذور والشعبوي منذ مئات السنين؟ هذا سؤال آخر.
كل ما نلاحظه هو أنه أصبح يعير اهتماماً أكبر لهذه المعركة الفكرية التي تجري داخل العالم العربي وبقية النطاقات الإسلامية الأخرى: كالنطاق الإيراني، أو التركي، أو الباكستاني، الخ... فحسم هذه المعركة في هذا الاتجاه أو ذاك سوف ينعكس على الغرب نفسه
لأننا نعيش في عصر العولمة الشمولية التي تربط قارات العالم الخمس ببعضها البعض عن طريق وسائل الاتصالات الحديثة. وبالتالي فلم يعد هناك من داخل وخارج في العالم. أصبح كل شيء داخلاً...أصبحنا جميعا في قارب واحد: هو الكرة الأرضية بأسرها.
بل إن الهند والصين واليابان وروسيا وبقية الأمم تراقب هذه العملية وليس فقط الغرب الأوروبي-الأميركي. وذلك لأن شظايا الأصولية تصل إلى هناك أيضا وتسبب الكثير من الأضرار للعالم الإسلامي وتشوه صورة تراثنا لدى أمم العالم قاطبة. وسوف تكون لذلك انعكاسات كبيرة على مدار السنوات القادمة.
ولن يستطيع أحد الدفاع عن القضايا العربية بسهولة بعد كل ما ارتكبته الحركات المتطرفة من تفجيرات في شتى أنحاء العالم من نيويورك الى مدريد الى بالي باندونيسيا الى لندن الى شرم الشيخ الخ.. هذا دون ان نتحدث عن الفظائع التي تحصل في العراق يوميا.
ويمكن القول بان أول من دفع ثمن ذلك هو قضية فلسطين التي همشت بسببه الى حد كبير . وفي ذات الوقت أصبح العالم كله ينظر إلينا شزرا من جهة، ثم ينتظر بفارغ الصبر نتائج المعركة الطاحنة التي تدور رحاها بين الأصوليين والتنويريين داخل العالم الإسلامي من جهة أخرى.
إنها معركة العصر، معركة المعارك، أم المعارك. وما التفجير المرعب الذي أصاب القرى الزيدية المسالمة في شمال العراق مؤخرا إلا أكبر دليل على ذلك. وهو تفجير أودى بحياة أربعمئة شخص دفعة واحدة من نساء ورجال وأطفال.
ولم يحظ للأسف الشديد بالإدانة الكافية من قبل المثقفين العرب. نعم ان المعركة ضد الأصولية التكفيرية والإجرامية هي معركة القرن الواحد والعشرين بقدر ما كانت معركة الحضارة الليبرالية ضد الفاشية او الستالينية قبلها هي معركة القرن العشرين، وبقدر ما كانت معركة الليبرالية التنويرية ذاتها ضد الأصولية المسيحية هي معركة القرنين التاسع عشر والثامن عشر.
فمسيرة الحرية والعقلانية الفلسفية وحقوق الإنسان لا تكتمل إلا إذا شملت بنورها العالم كله. والعالم الإسلامي لا يزال ينتظر أن يكحّل عينيه برؤياها، أن يذوق طعمها لأول مرة، ان يخرج من ليله الظلامي القروسطي الطويل..فمن سيخرجه؟ ومتى؟ العالم كله ينتظر نتائج الجواب على هذا السؤال..
وأخيراً فسوف أختتم هذه المقالة بالكلام التالي: لا يفهمنّ أحد أن التنوير الذي تدعو إليه هذه الكوكبة اللامعة من المثقفين المغاربة هو ضد الإسلام أو كاره له كما يزعم أعداؤهم من المتزمتين الجاهلين بالعلم والفكر. على العكس تماما. فجميعهم مسلمون ومعتزون بإسلامهم وأصولهم.
ولكنهم يعتقدون بوجود فهم آخر للإسلام غير فهم هؤلاء المتطرفين المنغلقين الحاقدين على العالم أجمع. ولذلك فهم يحملون بشدة على الأصوليين وتفسيرهم الرجعي أو الحرفي الجامد للقرآن الكريم والذي يؤدي إلى تكفير أربعة أخماس المعمورة، بل ويؤدي إلى تكفير نصف المسلمين على الأقل!
و هم يدعون إلى بلورة فهم جديد للدين الإسلامي، فهم يليق بعصرنا، بالقرن الواحد والعشرين. وهذا هو مدلول كتاب عبد النور بيدار الصادر بالفرنسية تحت عنوان: من أجل إسلام يليق بعصرنا. ويرى هؤلاء جميعا أن إسلام التنوير تجسّد في التاريخ ثلاث مرات سابقاً.
وبالتالي فما الذي يمنعه من أن يتجسَّد مرة أخرى في المستقبل؟ ولكن كل هذا لم يعد يكفي على الرغم من أهميته. وإنما ينبغي على حركة التنوير العربي الإسلامي التي ستنبثق قريبا أن تحتضنه وتتجاوزه في آن معا عن طريق هضم المنجزات الحضارية الأساسية للتنوير الأوروبي على مدار القرون الأربعة المنصرمة. وبالتالي فنحن بانتظار أن يشع علينا إسلام التنوير والتسامح والوسطية العقلانية مرة أخرى وبشكل أقوى وأنضج.
كاتب سوري باريس