عاد من جديد موضوع منظومة الدفاع الصاروخية إلى الأوساط الإعلامية والسياسية والدبلوماسية في الآونة الأخيرة كنتيجة للدرع الصاروخي الأميركي في كل من جمهورية التشيك وبولندا. روسيا لن تستلطف المبادرة الأميركية التي تعتبرها مناورة أميركية لإحراز التفوق على القوى الإستراتيجية الروسية وأن الأمر لا يتعلق بمواجهة التهديدات الإيرانية.
فهل يعتبر فتح ملف منظومة الدفاع الصاروخية هو فتح ملف الحرب الباردة بين روسيا وحلفائها الجدد )«منظمة شنغهاي للتعاون»( والولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من دول أوروبا الشرقية والناتو؟ وهل حالة التوتر الراهنة تنذر بالحرب الباردة التي عاشتها البشرية لعقود من الزمن بعد الحرب العالمية الثانية؟
أم أن المنظومة الدولية بحاجة إلى عالم متعدد الأقطاب؟ وهل زمن القطبية الأحادية قد ولى؟ وأن الولايات المتحدة الأميركية لا تستطيع أن تقود العالم بمفردها. يعترف الرئيس الروسي الحالي ويقر أن انهيار الاتحاد السوفييتي السابق كان أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين، وأن قيادة العالم من قبل دولة واحدة أمر غير سليم وغير صحيح وقد يؤدي إلى مخاطر عديدة.
ما يحدث اليوم في العراق وفي أفغانستان يعتبر من تداعيات الأحادية القطبية، ومن نتائج غطرسة أميركا وحربها ضد الإرهاب. فالطريقة التي تتعامل بها أميركا مع النزاعات، والخلافات في العالم طريقة خاطئة ومليئة بالتناقضات.
فحسب بوتين، العالم بحاجة ماسة إلى نظام دولي جديد متعدد الأقطاب وأنه لا توجد دولة واحدة في العالم تستطيع حل مشكلات الأمن بمفردها. فالمنظومة الدولية بحاجة إلى نظام عالمي يضمن الأمن وإمكانيات وسبل التطور والتنمية لجميع بلدان العالم بشكل متكافئ.
فعلى خلفية مخاطر الدرع الصاروخي الأميركي جاء إعلان «بشكيك» في ختام قمة «منظمة شنغهاي للتعاون»،التي انعقدت مؤخرا في العاصمة القرغيزية بشكيك، ليؤكد على ضرورة بناء نظام عالمي عادل وديمقراطي وإنشاء هيكل معاصر للأمن الدولي.
كما اعتبرت القمة أن الدرع الصاروخي والانتشار الأميركي المخطط له في جمهورية التشيك وبولندا أمر لا يخدم الأمن والسلام في العالم بل إنه يهدد المنطقة وآسيا بكاملها.فالمبادرة الأميركية ما هي إلا استفزاز للروس وحلفائهم في المنطقة.
يبدو أن شهر العسل الذي دام أكثر من 15 سنة بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية قد انتهى وهذا بإعلان الرئيس فلاديمير بوتين أن روسيا أرسلت 14 قاذفة من سبع قواعد جوية في البلاد في دوريات تتجاوز الأراضي الروسية. استئناف الطلعات الجوية الروسية جاء كرد فعل على الدرع الصاروخي الذي تنوي أميركا نشره في أوروبا، الأمر الذي أغضب المسؤولين الروس.
«مهمة السلام 2007»التي شارك فيها نحو 6000 جندي من دول «منظمة شنغهاي للتعاون» والمتمثلة في روسيا والصين وكازاخستان، قيرغيستان، طاجيكستان، وأوزبكستان جاءت كإنذار لأميركا وحلفائها وكتنبيه للآخرين بأن يحسبوا ألف حساب للدب الروسي.
هل يحاول بوتين إنهاء عهد الأحادية القطبية وإيجاد عالم متعدد الأقطاب؟ وهل تخطى الأميركان حدود صبر الروس بمبادرة الدرع الصاروخي الذي أعتبره الروس تهديدا أمنيا للمنطقة؟ كما يعتبر زعماء منظمة شنغهاي أن مشروع الدرع الصاروخي الأميركي يشكل خطرا على مجمل آسيا.
في المقابل ترى أميركا أن مشروعها يهدف إلى حماية نفسها وأوروبا من خطر نووي إيراني محتمل. الدلالات الأخيرة لبوادر الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية تشير إلى أن أميركا لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تستمر في قيادة العالم لوحدها.
على جبهة أخرى نلاحظ حربا باردة تقودها أميركا مع حلفائها العرب وإسرائيل ضد إيران وحلفائها سوريا وحماس وحزب الله. فأميركا تسعى للقضاء على أي حركة أو فكر أو أيديولوجية تناقض أو تنافس أطروحاتها في المنطقة.
كما تهدف أميركا لدفع الدول العربية وخاصة الخليجية منها إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. فالحرب الباردة على الجبهة الخليجية تصب في مصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى، أما على الجبهة الروسية فإنها تهدف إلى عزل إيران ومراقبة برنامجها النووي وإيقافه نهائيا.
رد فعل روسيا على الدرع الصاروخي الأميركي في التشيك وبولونيا، أي على حدودها، جاء قويا وخاصة وهي المبادرة بالانسحاب من معاهدة حظر الصواريخ الباليستية عام 2002. فالرئيس بوتين عبّر عن استيائه من زحف الناتو باتجاه حدود روسيا في عدة مناسبات وآخرها قمة «منظمة شنغهاي للتعاون».
أما أميركا فترى في أن الانتشار متواضع ويهدف إلى التعامل مع البرنامج النووي الإيراني، في حين يرى الروس أن هذا التبرير مرفوض أساسا لأن إمكانية وصول الصواريخ الإيرانية إلى الأراضي الأميركية لن ترى النور قبل عشر سنوات أو أكثر. وهذا ما جعل الروس وحلفاءهم في المنطقة أن الدرع الصاروخي الأميركي يشكل خطرا على الأمن القومي الروسي بصفة خاصة وأمن المنطقة بصفة عامة.
حسب كيسنجر، وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية السابق، فموسكو وواشنطن مطالبتان بالتعاون بدلا من الصراع والتصادم نظرا لأنهما يواجهان نظاما عالميا ناشئا تتجاوز تهديداته وآفاقه إمكانيات وقدرات أية دولة قومية للتعامل معه بمفردها.
فانتشار أسلحة الدمار الشامل وظاهرة الإرهاب وتحديات البيئة والاحتباس الحراري والاقتصاد العالمي والتنمية المستدامة كلها تفرض الحاجة إلى التعاون والتنسيق وتضافر الجهود من أجل مصلحة الجميع. فالتعاون الأميركي الروسي أصبح أمرا لا مفر منه حيث أن كل بلد يواجه أخطارا أعظم من تلك التي يمثلها البلد الآخر.
وهنا يجب الإشادة بمبادرة الرئيس الروسي بوتين الذي أقترح من خلالها ربط الناتو بأنظمة التنبيه الروسية وهذا من أجل التعامل بشكل مشترك مع مسائل وقضايا تتعلق بتهديد كل الدول معا. هل سيشهد العالم في المستقبل القريب عهد التعاون والتكامل أم أن منطق الصراع والنزاعات والحروب هو الذي سيسود؟
كلية الاتصال - جامعة الشارقة