من أسوأ أنواع الجرائم التي يمارسها البعض ضد البعض الآخر تلك الجرائم المرتبطة بدوافع الكراهية المسبقة والمؤسسة على اللون أو العرق أو الدين أو الجنس أو غيرها من تلك الدوافع المقرونة بالكراهية والعنصرية.

في مثل هذه الحالة يعتدي البعض على البعض الآخر لمجرد الاختلاف في العرق أو اللون أو الهوية أو الدين أو الجنس أو الانتماء السياسي أو حتى البقعة الجغرافية. ويرتبط هذا النوع من الجرائم بنتائج وخيمة من القتل والتدمير والحرق؛ فمخزون مشاعر الكراهية المرتبط بها يفسر تلك النتائج الكارثية الناجمة عنها.

وربما يمثل التطهير العرقي أكثر مستويات جرائم الكراهية قتلاً وتدميراً مثلما حدث في البوسنة والهرسك ومناطق كثيرة من العالم. والفارق الكبير بين هذا النوع من الجرائم وغيره من الجرائم الأخرى بما فيها القتل العادي أنها نتاج فترات طويلة مستقرة وراسخة من الكراهية والعنصرية الحادة.

فقد يقتل المرء شخصاً ما لخلاف طارئ قد يكون مبعثه تعارض المصالح أو الغضب السريع أو الدفاع عن النفس، وقد يقتل المرء شخصاً آخر مع سبق الإصرار والترصد من أجل التخلص منه لفائدة ما أو لغرض في نفسه.

كل أسباب القتل هذه تواجهنا في الحياة اليومية، وبقدر ما تكدر صفو المجتمع وتصيبنا بالخوف والتوجس والاندهاش فإنها لا تندرج تحت جرائم الكراهية، وإن كانت بالتأكيد تشتمل على قدر يتفاوت من حالة لأخرى من الكراهية.

إن أهم ما يميز جرائم الكراهية والعنصرية أنها نتاج لفترات طويلة مسبقة من الكراهية الشديدة والعنصرية البغيضة التي يحملها البعض ضد البعض الآخر. واللافت للنظر هنا أنها تأتي مصحوبة بعدم الندم والإحساس بالرضا التام عما تم ممارسته من جرائم ضد الأطراف الأخرى.

ومن أشهر جرائم الكراهية تلك التي مارسها البيض ضد السود في الولايات المتحدة الأميركية في القرنين الماضيين من حيث حرقهم وقتلهم وصلبهم. في مثل هذه الحالة من الكراهية يستدعي الجنس الأبيض تفوقه وإحساسه بسمو مكانته الأمر الذي يفجر داخله طاقات الغضب والكراهية والعنصرية المقيتة ضد كل ما يخالف اللون الأبيض وبشكلٍ خاص من السود الأميركيين.

يمثل الأسود بالنسبة للأبيض فضاء ممارسة الكراهية والعنصرية بحرية تامة وبدرجة كبيرة من الطمأنينة يؤمنها له المجتمع الأبيض المتغطرس ورعونة القوانين وتساهل أفراد البوليس. وفي مثل هذه الأحوال تصبح استباحة السود وكراهيتهم والانتهاكات الموجهة ضدهم شأناً عادياً من شؤون الحياة اليومية، يمارسه الصغار والكبار ضد أصحاب اللون الأسود.

وفي هذا السياق يتم قتل السود أو تعذيبهم أو ممارسة أشكال الانتهاكات المختلفة ضدهم لمجرد أن وجودهم يثير لدى أصحاب البشرة البيضاء مشاعر البغض والعداء والكراهية والترفع. يشتمل تاريخ الولايات المتحدة المعاصر على صفحات سوداء واسعة النطاق من ممارسة جرائم الكراهية ليس فقط ضد السود ولكن أيضاً ضد المهاجرين الآسيويين من أصحاب البشرة الصفراء، وغيرهم من المهاجرين اللاتين.

ولا تتم ممارسة جرائم الكراهية فقط بالنظر للون، لكنها تتعدى ذلك إلى العرق والجنس والدين. ففي الكثير من دول العالم توجد الكثير من الجرائم التي تتم وتمارس بشكلٍ يومي ضد المرأة لمجرد مخالفتها في الجنس. فجرائم الاستغلال والاتجار الجنسي والعنف الحاد الموجه ضد المرأة والتي تتم لمجرد مخالفتها في الجنس والتكوين البيولوجي كلها جرائم تندرج تحت جرائم الكراهية والعنصرية المسبقة.

إن أهم ما يميز جرائم الكراهية هنا هو ارتباطها بتنميطات مسبقة وجاهزة تنتقص من الآخرين، وتؤطرهم ضمن أطر وحدود يفرضها البعض على البعض الآخر، وهو الأمر الذي يمنحهم القدرة على تبرير الأفعال البربرية التي يقومون بها.

ومن اللافت للنظر هنا أن أجهزة الإعلام الحديثة أصبحت من أهم آليات تدعيم جرائم الكراهية والعنصرية والترويج لها بدرجة غير مسبوقة. بل يمكن القول بأن الكثير من جرائم الكراهية والعنصرية لم تكن لتتم لولا مثل هذا التناول الواسع المدي لأجهزة الإعلام المختلفة لبعض القضايا الحساسة والمقلقة اجتماعيا بمثل هذه الدرجة من التحيز والتنميط المسبق.

إن الكثير مما يتعرض له المسلمون في الكثير من الدول الغربية يندرج بدرجة أو بأخرى تحت جرائم الكراهية والعنصرية. وهي كراهية وعنصرية ترفض وتكره المسلم من خلال رموزه المختلفة مثل الصلاة والملبس والحجاب، وهنا تنشأ أبغض أنواع الكراهية المصحوبة بالرغبة في إبادة المسلم وعدم رؤيته في الفضاء الاجتماعي الذي يوجد فيه الآخرون.

وما تعرض له الشيخ المصري محمد السلاموني، 58 عاماً، إمام المركز الإسلامي الذي يقع بمنطقة ريجنت بارك بوسط لندن يوم 10 أغسطس 2007 على يد أحد العنصريين البريطانيين يندرج بامتياز تحت جرائم الكراهية والعنصرية القائمة على الأسس الدينية الصرفة. ففي ضوء الحملة الإعلامية الشعواء ضد الإسلام والمسلمين، تتأسس حالة من الهوس والكراهية ضد كل ما يمت بصلة للإسلام والمسلمين.

ويصبح السبيل الوحيد للتعامل مع المسلمين هو التخلص منهم؛ فوجودهم يضايق الآخرين، ويفتح شهيتهم لممارسة كافة أشكال الكراهية والعنصرية البغيضة. وما حدث أن أحد هؤلاء المهووسين المدججين بكافة أشكال الكراهية والعنصرية،

يدعى رايان دوينجان، 40 عاماً، من منطقة هامر سميت غربي لندن، اندفع ناحية الشيخ محمد السلاموني وكال له اللكمات المتواصلة في منطقة العين، وحاول خنقه. الأمر الذي تسبب في حدوث إصابات جسيمة وخطيرة في العينين وهو ما استدعى دخوله مستشفي ويسترن آي للعيون بوسط لندن وإجراء عملية جراحية لمحاولة إنقاذ عينيه.

ما حدث للشيخ محمد السلاموني هو جريمة كراهية تأسست على كراهية مسبقة للعرب وللمسلمين، يغذيها إعلام غربي عنصري، وتنميطات مسبقة تتسم بالحقارة والخسة لكل ما يرتبط بالعرب وبالمسلمين. لم تكن هناك أية صلات وعلاقات مسبقة بين الشيخ السلاموني وبين المدعو رايان، ولم يكن بينهما أية مصالح متعارضة، أو أية أحقاد متوارثة.

كل ما حدث أن المدعو رايان أصابته حمى الكراهية والعنصرية الدفينة، لم يعد يطيق رؤية أي مسلم، لم يعد يطيق التعامل مع رموز المسلمين، أو التعايش معها. كل ما أصبح يسيطر عليه هو كيفية التخلص منهم، مثلما فعل أسلافه البيض مع السود عبيد افريقيا، ومع المهاجرين اللاتين والآسيويين.

السؤال الذي لا بد من طرحه هنا، ماذا لو كان الذي تعرض للضرب وللكراهية حاخاماً يهودياً أو قساً مسيحياً؟ هل سوف تكون ردة الفعل الإعلامية مثلما عليه الحال الآن؟ لا أعتقد فلكل فترة كراهيتها وعنصريتها الخاصة بها وعلى ما يبدو أننا نعيش الآن عصر ممارسة الكراهية ضد الإسلام والمسلمين بامتياز. لكن الخطورة في مثل هذه النوعية من الجرائم أنها تشمل الجميع في النهاية بنيرانها.

فالساكتون الصامتون عما أصاب الشيخ السلاموني الآن ممن يدعون الدفاع عن حقوق الأقليات والتشدق بالليبراليات الغربية المبتذلة سوف تدركهم نيران الكراهية إن آجلاً أو عاجلاً طالما التزموا الصمت عما يصيب الآخرين من كراهية وعنصرية.

إن جرائم الكراهية والعنصرية لا توجه ضد أحد بعينه أو ضد جماعة بعينها أو ضد دين بعينه، بقدر ما توجه ضد الإنسانية جمعاء وهذا ما لا يحاول البعض إدراكه حتى الآن. شفى الله الشيخ محمد السلاموني، وجنبنا مشاعر الكراهية والعنصرية البغيضين.

salehabdelazim@hotmail.com

كاتب مصري