يأتي انسحاب جبهة التوافق ثالث الكتل البرلمانية في ائتلاف الحكومة العراقية ليشكل ضربة قوية هزت حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي، بعد فترة من التداعيات داخل الحكومة بين مختلف أطرافها. فجبهة التوافق المكونة من ائتلاف سياسي تشكل عام 2005 من ثلاثة أطراف ومن مستقلين وفعاليات وتكنوقراط.

تعتبر ممثلة لعدد كبير من سنة العراق العرب، والقوة الأكثر حضوراً في مناطق المقاومة العراقية لقوات الاحتلال في الأنبار وسامراء وبغداد، وقد شكل انسحابها نكسة كبيرة للحكومة العراقية، وضاعف من الأزمة السياسية، خصوصاً وأن كتلة القائمة العراقية باتت هي أيضاً تهدد بالانسحاب من الحكومة ومعها المجموعة الصدرية،

عدا عن ما يجري من اعتمالات وصراعات داخل طرفي المعادلة الكردية وتحديداً بين مجموعة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني ومجموعة الحزب الديمقراطي الكردستاني. وبحسب المتابعين للملف العراقي، يعتبر انسحاب جبهة التوافق انذاراً عالي الصوت بانهيار الحكومة بعد عجزها عن تلبية الحد الأدنى من مطالب الناس والشارع، وهي مطالب حياتية اقتصادية وتعليمية وصحية بالدرجة الأولى،

يضاف إليها فشل مجموع العمليات الأمنية المشتركة بين أجهزة الأمن والقوات الأميركية في الحد من الانفلات الأمني الذي بات سمة من السمات العامة في العراق، وهو الانفلات الذي يدفع ثمنه المواطنون قبل غيرهم، فقد فشلت عمليات «سيف» و«رمح» و«برق» و«رعد» في الحد من الفوضى الأمنية وعمليات التفجير والاغتيالات اليومية.

على كل حال، ان جبهة التوافق ومن منطلق تجربتها داخل الائتلاف الحكومي كانت ما برحت تكيل لحكومة المالكي اتهامات الغوص والغرق في المحاصصة الطائفية التي أوصلت الأمور إلى ما هي عليه، وتطالبها بحل كافة الميليشيات العسكرية والمشاركة في اتخاذ القرارات الأمنية بدلاً من ابقاء الملف الأمني بيد نوري المالكي ومجموعته، إضافة إلى استصدار قرارات بالعفو العام وإطلاق سراح المعتقلين والكف عن إقصاء وعزل الكفاءات تحت عنوان «اجتثاث البعث».

في المقابل فإن المصادر المقربة من نوري المالكي تتحدث عن وجود ما أسمته جناحين في جبهة التوافق: جناح وطني معتدل و«جناح طارئ» يريد من خلال الضغط لاستصدار قانون العفو تبرئة «رموز الإرهاب والبعث البائد» وإدخالهم الحياة السياسة العراقية،

كما توجه بعض مصادر المالكي اتهامات ظالمة (تدحضها الوقائع) من نوع آخر لجبهة التوافق تتهمها فيها بالانسياق وراء سياسة العربية السعودية وهو ما دفع بالإدارة الأميركية خلال زيارة كوندوليزا رايس الأخيرة الطلب من العربية السعودية التدخل لتهدئة الغليان السياسي داخل حكومة المالكي.

وفق المشهد اياه، فإن الإدارة الأميركية التي قللت من انسحاب جبهة التوافق من الائتلاف الحكومي والتي اعتبرتها مجرد مناورة، تدرك في حقيقة الأمر بأن انسحاب جبهة التوافق يخل بتوازن حكومة المالكي ويفقدها مشروعية تمثيلها لكل العراقيين،

ويزيد بالضرورة من تعقيدات ماهو معقد في الأوضاع العراقية السائرة نحو المجهول، ففي تقرير أخير للكونغرس الأميركي تشير التقديرات المقدمة للرئيس جورج بوش بأن البقاء العسكري الأميركي في العراق سيستطيل على الأرجح حتى السنوات العشر المقبلة وسيرفع من فاتورة الحرب بتكلفة تكاد تبلغ تريليون دولار (1000 مليار دولار)،

وهو ما يشكل عبئاً كبيراً قد لا تستطيع عائدات النفط العراقية تغطيته خصوصاً مع تدني معدلات الإنتاج النفطي عن المقياس الذي كانت قد وضعته واشنطن. وعليه فإن الإدارة الأميركية تعمل الآن على توفير مقومات الإسناد الأمنية العسكرية للحكومة العراقية

وحث المالكي على القيام بأفعال سياسية قبل انهيار رأس الحكومة، فالمالكي في الواقع يستمد بقاءه من الدعم الخارجي الأميركي الغربي والإقليمي، حيث أعربت الإدارة الأميركية عن استمرارها في دعمه بعد انسحاب جبهة التوافق ومنع برنامجه من الانهيار في ظل اتساع الهوة بين أطراف الائتلاف الحكومي بما في ذلك داخل الصف الشيعي بين المجموعة الصدرية ومجموعتي الحكيم وحزب الدعوة.

ان كل التقديرات تذهب للقول بأن مصير حكومة المالكي يتوقف على قدرتها معالجة المطالب المحقة التي تقدمت بها كتلة جبهة التوافق وفي تلبية مطالب الناس في الشارع العراقي، والمبادرة الى طرح مشروع توافقي وطني عراقي واضح المعالم لجدولة الانسحاب الأميركي بدلاً من إطالة أمد الاحتلال، والقفز فوق مشاريع القرارات المقدمة أميركياً والمتعلقة بقانوني النفط والغاز وخرائط الأقاليم.

كاتب فلسطيني