استطاعت الصين باستخدام الهجوم الهادئ ( القوة الهادئة) وكما عرفها الصينيون بالارتقاء السلمي والذي في جوهرهِ إستراتيجية عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى بقلب الموازين العالمية وذلك عن طريق إقناع الدول الأخرى باتخاذ قرارات لصالح الصين.
قبل أكثر من عقد من الزمن كانت الصين ذات المذهب الماوي الشيوعي معزولة عن العالم وكثيراً ما قامت بمناوشات على دول الجوار مما أدى إلى توترات شديدة في علاقاتها الدولية على الرغم من أن قوتها العسكرية (الضعيفة) لا تتماشى مع حجمها وعدد سكانها،
إذن ما هي الإستراتيجية التي اتبعتها الصين لقلب الموازين لصالحها؟ يوجز الكاتب بانتقاء وباختصار كتابات المؤلف (KURLANTZICK-2007) عن كيفية قيام الصين باستخدام إستراتيجية القوة الخفية لإعادة ترتيب العالم حولها.
يرى المؤلف بأن الصين حتى الثمانينات من القرن الماضي كانت صورتها مهمشة في العالم وانقلب الوضع في التسعينيات بخطوات نحو دولة ذات قوة دولية وشعب له سياسة خارجية طموحة وبالواقع أصبحت الخيار البديل بعد سقوط الإتحاد السوفيتي لمقارعة الولايات المتحدة ،
وعندما قامت بكين بالنظر خارج حدودها ، ابتداء بتغير شخصيتها السلبية في العالم وتحويلها إلى إيجابية، أي من منبع للخطر إلى مصدر مشارك وبناء، وقد أعطاها هذا التحول ما يمكن وصفه بالرمز (الماركة) الشعبية (الصين) وهو يحتوي على رسائل عدة ومنها الدبلوماسية الشعبية بما فيها تلك التي تؤثر على الرأي العام العالمي / الأجنبي .
كم يحتاج العرب لتحويل الشخصية السالبة والمرعبة في نظر العالم إلى تلك المشاركة البناءة «العرب » هي الماركة الشعبية التي ينظر إليها العالم، ما هي الخطوات اللازمة على المستوى الداخلي العربي والخارجي الدولي التي سوف تقوم بتحويل هذه الرؤية السالبة إلى تلك البناءة أمام أعين العالم ؟ وما هي الفوائد التي سيجنيها العرب من ذلك ؟.
أستحدث الأستاذ جوزف ني من جامعة هارفارد مصطلح « القوة الهادئة» وهي تعني للصينيين كل عمل خارج النطاق العسكري والأمني ، وهذه القوة ذات اتجاه علوي موجهة للطبقة الحاكمة ( متخذي القرارات) واتجاه دوني موجهة نحو العامة، ومن جهة أخرى أعلنت القيادة الصينية مبدأ الارتقاء السلمي أو كما يعرف « التنمية السلمية »،
وهكذا قامت الصين برسم الودية أو التوددية لإقامة علاقات مستقرة ومسالمة مع جميع الدول وبالأخص دول الجوار، وهكذا ابتدأ الوضع والسمعة الدولية للصين بالتغير، إنها خطوة بسيطة وأخلاقية تعبر عن احترام النفس « تحترم الآخرين يحترمونك » إنها متأصلة في المذهب العربي الإسلامي القائم على المودة والاحترام المشترك ،
ولكن كيف نستطيع أن نُحسن من علاقاتنا وسمعتنا الدولية ونحن «العرب» نتناحر مما يسهم وفي كثير من الأحيان في عدم الاحترام المشترك؟ إننا نحتاج إلى آليات على المستوى الداخلي العربي أولاً (ليس موضوع هذا المقال) قبل أن نتجه إلى المستوى الخارجي.
اعتمدت الصين إضافة جديدة في العلاقات الدولية وهي سياسة الانتفاع المشترك سواء على الإطار الاقتصادي أو السياسي مما شكل مفهوماً أمنياً جديداً في العمل المشترك مع الدول الأخرى من خلال المؤسسات الدولية مما أدى إلى بناء الثقة المشتركة بينهم وتمرير متطلباتها (الصين) ودياً،
وذلك مقارنة بالولايات المتحدة التي تعتمد المشاركة في المحافل الدولية الكبرى ومؤتمرات القمة والزيارات الرسمية وفرض طلباتها، هذا ونفذت الصين الإستراتيجية الحضارية و الاقتصادية لتعضيد سياستها العامة، وتتشكل من:-
استخدام وسائل الإعلام على مستوى العالم في صياغة العلاقات العامة للإعلان عن سياستها.
استخدام شبكة المراسلين والإعلاميين حول العالم لتغذية الحكومة بالمجريات الدولية.
توجيه الدبلوماسية الصينية نحو المؤتمرات والاجتماعات غير الرسمية واستخدامها للقاء والتعارف مع صناع القرار في الدول المختلفة.
الارتقاء بمستوى الكادر الدبلوماسي وإعادة تأهيله وتعليمهم اللغات المختلفة للدول التي سيخدمون فيها.
تحتفظ الصين بدبلوماسييها في الخدمة لمدة أطول في الدول المختلفة مقارنة بالولايات المتحدة التي تغيرها بتغير الرئاسة في البيت الأبيض، مما يعطيها ارتباطاً أطول مع صناع القرارات في هذه الدول.
تدعم الحكومة الصينية دبلوماسيتها بزيارات متكررة من قبل كبار المسئولين وخاصةً للدول النامية.
دعم الدبلوماسية بالحضارة الصينية (تسويقها وتعليم اللغة الصينية).
لملمة الشتات الصيني وبناء الجسور معهم.
تنشيط الحملات الخارجية وجذب الاستثمارات المباشرة والاستثمارات الإستراتيجية.
هذه الإستراتيجية أعطت الصين المهارة بالقيام بالتأثير على الدول الأخرى لاتخاذ قرارات تتواءم مع رغبات بكين، ومع نمو العلاقات الدولية أعطاها مركزاً فاعلاً في المحافل الدولية لتسوية مصالحة الدول المختلفة لإنهاء المنازعات الإقليمية، وكذلك أعطاها دفعة إيجابية للمشاركة في المشاكل الاجتماعية الدولية كالمخدرات ومرض الإيدز....
إن هناك فرقاً جوهرياً بين الصين والعرب، فالصين دولة واحدة ذات حكومة مركزية ولها كرسي دائم في مجلس الأمن، والعرب تركيبة من الدول وهنا يسقط القياس، أما إذا نظرنا وخرجنا من حدودنا العربية فإننا نرى صورة قاتمة سلبية للعرب.
هل نستطيع تغيير هذه الصورة والارتقاء بالوضع العربي بصورة شاملة خلال العشر سنوات القادمة؟ نعم، أمامنا التجربة الصينية والقوة الهادئة ليست بمعجزة إنما تحتاج إلى قيادة لتتبناها وليس هناك ارتباط بحجم أو موقع تلك الدولة العربية التي سوف تغير العالم من حولها،
إننا نرى بعض الدول العربية تتبنى هذه الخطوات بدرجات مختلفة لتحسين جاذبيتها وشخصيتها في العالم، وبما أن هذه الدول عربية فلنتطلع أن تكون مجهودا تهم التراكمية (على الرغم من أن كلاً يركز على بلده) لتصب في النهاية على تحسين صورة أفضل لما هو «عربي» في نظر العالم، نعم خطوات كهذه ستفتح أمام العرب مجالات الارتقاء العالمي وإعادة ترتيب العالم من حولهم.
كاتب إماراتي